ابن كثير

223

البداية والنهاية

فيمن يزيد ، وكانت من الخيول الجياد المثمنة ، فباعها وجعل أثمانها في بيت المال . قالوا : ولما رجع من الجنازة وقد بايعه الناس واستقرت الخلافة باسمه ، انقلب وهو مغتم مهموم ، فقال له مولاه : مالك هكذا مغتما مهموما وليس هذا بوقت هذا ؟ فقال : ويحك ومالي لا أغتم وليس أحد من أهل المشارق والمغارب من هذه الأمة إلا وهو يطالبني بحقه أن أؤديه إليه ، كتب إلي في ذلك أو لم يكتب ، طلبه مني أو لم يطلب . قالوا : ثم إنه خير امرأته فاطمة بين أن تقيم معه على أنه لا فراغ له إليها ، وبين أن تلحق بأهلها ، فبكت وبكى جواريها لبكائها ، فسمعت ضجة في داره ، ثم اختارت مقامها معه على كل حال رحمها الله . وقال له رجل : تفرغ لنا يا أمير المؤمنين ، فأنشأ يقول : قد جاء شغل شاغل * وعدلت عن طرق السلامة ذهب الفراغ فلا فرا * غ لنا إلى يوم القيامة وقال الزبير بن بكار : حدثني محمد بن سلام ، عن سلام بن سليم قال : لما ولي عمر بن عبد العزيز صعد المنبر وكان أول خطبة خطبها حمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس من صحبنا فليصحبنا بخمس وإلا فليفارقنا . يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها ، ويعيننا على الخير بجهده ، ويدلنا من الخير على ما لا نهتدي إليه ، ولا يغتابن عندنا أحدا ، ولا يعرض فيما لا يعنيه . فانقشع عنه الشعراء والخطباء وثبت معه الفقهاء والزهاد ، وقالوا : ما يسعنا أن نفارق هذا الرجل حتى يخالف فعله قوله . وقال سفيان بن عيينة : لما ولي عمر بن عبد العزيز بعث إلى محمد بن كعب ورجاء بن حياة وسالم بن عبد الله فقال لهم : قد ترون ما ابتليت به وما قد نزل بي ، فما عندكم ؟ فقال محمد بن كعب : اجعل الشيخ أبا ، والشاب أخا ، والصغير ولدا ، وبر أباك وصل أخاك ، وتعطف على ولدك . وقال رجاء : ارض للناس ما ترضى لنفسك ، وما كرهت أن يؤتى إليك فلا تأته إليهم ، واعلم أنك أول خليفة تموت . وقال سالم : اجعل الامر واحدا وصم فيه عن شهوات الدنيا ، واجعل آخر فطرك فيه الموت . فكأن قد . فقال عمر : لا حول ولا قوة إلا بالله . وقال غيره : خطب عمر بن عبد العزيز يوما الناس فقال - وقد خنقته العبرة - أيها الناس أصلحوا آخرتكم يصلح الله دنياكم ، وأصلحوا أسراركم ( 1 ) يصلح لكم علانيتكم ، والله إن عبدا ليس بينه وبين آدم أب إلا قد مات ، إنه لمعرق له في الموت . وقال في بعض خطبه : كم من عامر موثق عما قليل يخرب ، وكم من مقيم مغتبط عما قليل يظعن . فأحسنوا رحمكم الله من الدنيا الرحلة بأحسن ما يحضر بكم من النقلة ، بينما ابن آدم في الدنيا ينافس قرير العين فيها يانع ، إذ دعاه الله بقدره ، ورماه بسهم حتفه ، فسلبه إثارة دنياه ، وصبر إلى قوم آخرين مصانعه ومغناه ، إن الدنيا لا تسر بقدر ما تضر ، تسر قليلا وتحزن طويلا . وقال إسماعيل بن عياش عن عمرو بن مهاجر قال : لما

--> ( 1 ) في العقد الفريد 2 / 143 : سرائركم . وانظر صفة الصفوة 2 / 114 في خطبة أطول .