ابن كثير
224
البداية والنهاية
استخلف عمر بن عبد العزيز قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس ! إنه لا كتاب بعد القرآن ، ولا نبي بعد محمد عليه السلام ، وإني لست بقاض ولكني منفذ ، وإني لست بمبتدع ولكني متبع ، إن الرجل الهارب من الامام الظالم ليس بظالم ( 1 ) إلا أن الامام الظالم هو العاصي ، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق عز وجل . وفي رواية أنه قال فيها : وإني لست بخير من أحد منكم ، ولكنني أثقلكم حملا ، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الله ، ألا هل أسمعت ؟ وقال أحمد بن مروان : ثنا أحمد بن يحيى الحلواني ، ثنا محمد بن عبيد ، ثنا إسحاق بن سليمان ، عن شعيب بن صفوان ، حدثني ابن لسعيد بن العاص قال : كان آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز ، حمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد فإنكم لم تخلقوا عبثا ، ولم تتركوا سدى ، وإن لكم معادا ينزل الله فيه للحكم فيكم والفصل بينكم ، فخاب وخسر من خرج من رحمة الله تعالى ( 2 ) ، وحرم جنة عرضها السماوات والأرض ، ألم تعلموا أنه لا يأمن غدا إلا من حذر اليوم الآخر وخافه ، وباع فانيا بباق ، ونافدا بمالا نفاد له ، وقليلا بكثير ، وخوفا بأمان ، ألا ترون أنكم في أسلاب ( 3 ) الهالكين ، وسيكون من بعدكم للباقين ، كذلك حتى ترد إلى خير الوارثين ، ثم إنكم في كل يوم تشيعون غاديا ورائحا إلى الله لا يرجع ، قد قضى نحبه حتى تغيبوه في صدع من الأرض ، في بطن صدع غير موسد ولا ممهد ، قد فارق الأحباب ، وواجه التراب والحساب ، فهو مرتهن بعمله ، غني عما ترك ، فقير لما قدم ، فاتقوا الله قبل القضاء ، راقبوه قبل نزول الموت بكم ، أما إني أقول هذا ، ثم وضع طرف ردائه على وجهه فبكى وأبكى من حوله . وفي رواية : وأيم الله إني لأقول قولي هذا ولا أعلم عند أحد منكم من الذنوب أكثر مما أعلم من نفسي ، ولكنها سنن من الله عادلة ، أمر فيها بطاعته ، ونهى فيها عن معصيته ، وأستغفر الله ، ووضع كمه على وجهه فبكى حتى بل لحيته ، فما عاد لمجلسه حتى مات رحمه الله . وروى أبو بكر بن أبي الدنيا : عن عمر بن عبد العزيز أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم وهو يقول : " ادن يا عمر ، فدنوت حتى خشيت أن أصيبه ، فقال : إذا وليت فاعمل نحوا من عمل هذين ، فإذا كهلان قد اكتنفاه ، فقلت : ومن هذان ؟ قال : هذا أبو بكر وهذا عمر " . وروينا أنه قال : لسالم بن عبد الله بن عمر : اكتب لي سيرة عمر حتى أعمل بها ، فقال له سالم : إنك لا تستطيع ذلك ، قال : ولم ؟ إنك إن عملت بها كنت أفضل من عمر ، لأنه كان يجد على الخير أعوانا ، وأنت لا تجد من يعينك على الخير . وقد روى أنه كان نقش خاتمه لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وفي رواية آمنت بالله ، وفي رواية الوفاء عزيز . وقد جمع يوما رؤوس الناس فخطبهم فقال : إن فدك كانت بيد
--> ( 1 ) في مروج الذهب 3 / 226 : بعاص . ( 2 ) زيد في العقد الفريد 2 / 144 : التي وسعت كل شئ . ( 3 ) في العقد : أصلاب . وانظر الأغاني 9 / 266 - 267 . وصفة الصفوة 2 / 123 - 124 .