ابن كثير
203
البداية والنهاية
حكما ، واجعلوه لكم قائدا ( 1 ) ، فإنه ناسخ لما قبله ، ولن ينسخه كتاب بعده . اعلموا عباد الله أن هذا القرآن يجلو كيد الشيطان وضغائنه كما يجلو ضوء الصبح إذا تنفس أدبار الليل إذا عسعس . وقال يحيى بن معين عن حجاج بن محمد عن أبي معشر عن محمد بن قيس قال : سمعت سليمان بن عبد الملك يقول في خطبته : فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه . وقال حماد بن زيد عن يزيد بن حازم . قال : كان سليمان بن عبد الملك يخطبنا كل جمعة لا يدع أن يقول في خطبته : وإنما أهل الدنيا على رحيل ، لم تمض لهم نية ولم تطمئن بهم حتى يأتي أمر الله ووعده وهم على ذلك ، كذلك لا يدوم نعيمها ، ولا تؤمن فجائعها ولا تبقي من شر أهلها ثم يتلو ( أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ، ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ) [ العشراء : 205 ] وروى الأصمعي أن نقش خاتم سليمان [ كان ] : آمنت بالله مخلصا ، وقال أبو مسهر عن أبي مسلم سلمة بن العيار الفزاري . قال : كان محمد بن سيرين يترحم على سليمان بن عبد الملك ، ويقول : افتتح خلافته بخير وختمها بخير ، افتتحها بإجابة الصلاة لمواقيتها ، وختمها باستخلافه عمر بن عبد العزيز . قد أجمع علماء الناس والتواريخ أنه حج بالناس في سنة سبع وتسعين وهو خليفة ، قال الهيثم ابن عدي قال الشعبي : حج سليمان بن عبد الملك فلما رأى الناس بالموسم قال لعمر بن عبد العزيز : ألا ترى هذا الخلق الذي لا يحصى عددهم إلا الله ، ولا يسع رزقهم غيره ، فقال : يا أمير المؤمنين هؤلاء رعيتك اليوم ، وهم غدا خصماؤك عند الله ، فبكى سليمان بكاء شديدا ثم قال : بالله أستعين . وقال ابن أبي الدنيا : ثنا إسحاق بن إسماعيل ، ثنا جرير ، عن عطاء بن السائب . قال : كان عمر بن عبد العزيز في سفر مع سليمان بن عبد الملك فأصابهم السماء برعد وبرق وظلمة وريح شديدة ، حتى فزعوا لذلك ، وجعل عمر بن عبد العزيز يضحك ، فقال له سليمان : ما يضحكك يا عمر ؟ أما ترى ما نحن فيه ؟ فقال له : يا أمير المؤمنين هذه آثار رحمته فيها شدائد ما نرى ، فكيف بآثار سخطه وغضبه ؟ ومن كلامه الحسن رحمه الله قوله : الصمت منام العقل والنطق يقظته ، ولا يتم هذا إلا بهذا . ودخل عليه رجل فكلمه فأعجبه منطقه ثم فتشه فلم يحمد عقله ، فقال : فضل منطق الرجل على عقله خدعة ، وفضل عقله على منطقه هجنة ، وخير ذلك ما أشبه بعضه بعضا وقال : العاقل أحرص على إقامة لسانه منه على طلب معاشه ، وقال أيضا : إن من تكلم فأحسن قادر على أن يسكت فيحسن ، وليس كل من سكت فأحسن قادرا على أن يتكلم فيحسن . ومن شعره يتسلى عن صديق له مات فقال :
--> ( 1 ) في مروج الذهب : واجعلوا لكم هاديا ودليلا .