ابن كثير

204

البداية والنهاية

وهون وجدي في شراحيل أنني * متى شئت لاقيت امرءا مات صاحبه ومن شعره أيضا : ومن شيمي ألا أفارق صاحبي * وإن ملني إلا سألت له رشدا وإن دام لي بالود دمت ولم أكن * كآخر لا يرعى ذماما ولا عهدا وسمع سليمان ليلة صوت غناء في معسكره فلم يزل يفحص حتى أتى بهم ، فقال سليمان : إن الفرس ليصهل فتستودق له الرمكة ، وإن الجمل ليهدر فتضبع له الناقة ، وإن التيس لينب فتستخذى له العنز وإن الرجل ليتغنى فتشتاق له المرأة ، ثم أمر بهم فقال : اخصوهم ، فيقال إن عمر بن عبد العزيز قال : يا أمير المؤمنين إنها مثلة ، ولكن انفهم ، فنفاهم . وفي رواية أنه خصى أحدهم ، ثم سأل عن أصل الغناء فقيل إنه بالمدينة ، فكتب إلى عامله بها وهو أبو بكر بن محمد بن حزم يأمره أن يخصي من عنده من المغنين المخنثين . وقال الشافعي : دخل أعرابي على سليمان فدعاه إلى أكل الفالوذج وقال له : إن أكلها يزيد في الدماغ فقال : لو كان هذا صحيحا لكان ينبغي أن يكون رأس أمير المؤمنين مثل [ رأس ] البغل . وذكروا أن سليمان كان نهما في الاكل ، وقد نقلوا عنه أشياء في ذلك غريبة ، فمن ذلك أنه اصطبح في بعض الأيام بأربعين دجاجة مشوية ، وأربع وثمانين كلوة بشحمها ، وثمانين جردقة ، ثم أكل مع الناس على العادة في السماط العام . ودخل ذات يوم بستانا له وكان قد أمر قيمه أن يجني ثماره ، فدخله ومعه أصحابه فأكل القوم حتى ملوا ، واستمر هو يأكل أكلا ذريعا من تلك الفواكه ، ثم استدعى بشاة مشوية فأكلها ثم أقبل على أكل الفاكهة ، ثم أتي بدجاجتين فأكلهما ، ثم عاد إلى الفاكهة فآكل منها ، ثم أتي بقعب يقعد فيه الرجل مملوءا سويقا وسمنا وسكرا فأكله ثم عاد إلى دار الخلافة ، وأتي بالسماط فما فقدوا من أكله شيئا ( 1 ) ، وقد روي أنه عرضت له حمى عقب هذا الاكل أدته إلى الموت ، وقد قيل إن سبب مرضه كان من أكل أربعمائة بيضة وسلتين تينا فالله أعلم . وذكر الفضل بن أبي المهلب أنه لبس في يوم جمعة حلة صفراء ثم نزعها ولبس بدلها حلة خضراء واعتم بعمامة خضراء وجلس على فراش أخضر وقد بسط ما حوله بالخضرة ، ثم نظر في المرآة فأعجبه حسنه ، وشمر عن ذراعيه وقال : أنا الخليفة الشاب ، وقيل إنه كان ينظر في المرآة من فرقه إلى قدمه ويقول : أنا الملك الشاب ، وفي رواية أنه كان ينظر فيها ويقول : كان محمد نبيا ، وكان أبو بكر صديقا وكان عمر فاروقا ، وكان عثمان حييا ، وكان على شجاعا ، وكان معاوية حليما ، وكان يزيد

--> ( 1 ) اتفقت الروايات على أنه كان شرها نكاحا ، وكان صاحب أكل كثير يجوز المقدار ، انظر العقد الفريد 2 / 277 مروج الذهب 3 / 214 ابن خلكان 2 / 422 وقد بالغت الروايات في مقادير الطعام والشواء والحلوى التي كان يتناولها في اليوم بشكل لا يقبله منطق أو يقر به عاقل .