ابن كثير
202
البداية والنهاية
لو ضربوا بالسيف رأسي في مودتها * لمال يهوي سريعا نحوها رأسي فأمر سليمان بالأعرابي فاعتقل ، ثم جاء إلى أبيه فقال : قد جئتك بما سألت ، فقال : هات ، فأنشده البيت فقال : أحسنت ، وأنى لك هذا ؟ فأخبره خبر الأعرابي ، فقال : سل حاجتك ولا تنس صاحبك . فقال : يا أمير المؤمنين إنك عهدت بالامر من بعدك للوليد ، وإني أحب أن أكون ولي العهد من بعده ، فأجابه إلى ذلك ، وبعثه على الحج في إحدى وثمانين ، وأطلق له مائة ألف درهم ، فأعطاها سليمان لذلك الأعرابي الذي قال ذلك البيت من الشعر ، فلما مات أبوه سنة ست وثمانين وصارت الخلافة إلى أخيه الوليد ، كان بين يديه كالوزير والمشير ، وكان هو المستحث على عمارة جامع دمشق ، فلما توفي أخوه الوليد يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة سنة ست وتسعين ، كان سليمان بالرملة ، فلما أقبل تلقاه الامراء ووجوه الناس ، وقيل إنهم ساروا إليه إلى بيت المقدس فبايعوه هناك ، وعزم على الإقامة بالقدس ، وأتته الوفود إلى بيت المقدس ، فلم يروا وفادة هناك ، وكان يجلس في قبة في صحن المسجد مما يلي الصخرة من جهة الشمال ، وتجلس أكابر الناس على الكراسي ، وتقسم فيهم الأموال ، ثم عزم على المجئ إلى دمشق . فدخلها وكمل عمارة الجامع . وفي أيامه جددت المقصورة واتخذ ابن عمه عمر بن عبد العزيز مستشارا ووزيرا ، وقال له : إنا قد ولينا ما ترى وليس لنا علم بتدبيره ، فما رأيت من مصلحة العامة فمر به فليكتب ، وكان من ذلك عزل نواب الحجاج وإخراج أهل السجون منها ، وإطلاق الاسرى ، وبذل الأعطية بالعراق ، ورد الصلاة إلى ميقاتها الأول ، بعد أن كانوا يؤخرونها إلى آخر وقتها ، مع أمور حسنة كان يسمعها من عمر بن عبد العزيز ، وأمر بغزو القسطنطينية فبعث إليها من أهل الشام والجزيرة والموصل في البر نحوا من مائة ألف وعشرين ألف مقاتل ، وبعث من أهل مصر وإفريقية ألف مركب في البحر عليهم عمر بن هبيرة ، وعلى جماعة الناس كلهم أخوه مسلمة ، ومعه ابنه داود بن سليمان بن عبد الملك في جماعة من أهل بيته ، وذلك كله عن مشورة موسى بن نصير : حين قدم عليه من بلاد المغرب ، والصحيح أنه قدم في أيام أخيه الوليد والله أعلم . قال ابن أبي الدنيا : حدثني محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الكوفي ، عن جابر بن عون الأسدي . قال : أول كلام تكلم به سليمان بن عبد الملك حين ولي الخلافة أن قال : الحمد لله الذي ما شاء صنع وما شاء رفع وما شاء وضع ، ومن شاء أعطى ومن شاء منع . إن الدنيا دار غرور ، ومنزل باطل ، وزينة تقلب ( 1 ) ، ، تضحك باكيا وتبكي ضاحكا ، وتخيف آمنا وتؤمن خائفا ، تفقر مثريها ، وتثري ( 2 ) فقيرها ، ميالة لاعبة بأهلها . يا عباد الله اتخذوا كتاب الله إماما ، وارضوا به
--> ( 1 ) في مروج الذهب 3 / 213 : وتقلب بأهلها . ( 2 ) في العقد الفريد 2 / 143 : وتثري مقترا هيالة غرارة لعابة بأهلها .