ابن كثير
185
البداية والنهاية
والمقصود أن مفسدة اللواط من أعظم المفاسد ، وكانت لا تعرف بين العرب قديما كما قد ذكر ذلك غير واحد منهم . فلهذا قال الوليد بن عبد الملك : لولا أن الله عز وجل قص علينا قصة قوم لوط في القرآن ما ظننت أن ذكرا يعلو ذكرا . وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به " ( 1 ) . رواه أهل السنن وصححه ابن حيان وغيره . وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم من عمل عمل قوم لوط ثلاث مرات ، ولم يلعن على ذنب ثلاث مرات إلا عليه ، وإنما أمر بقتل الفاعل والمفعول به لأنه لا خير في بقائهما بين الناس ، لفساد طويتهما ، وخبث بواطنهما ، فمن كان بهذه المثابة فلا خير للخلق في بقائه ، فإذا أراح الله الخلق منهما صلح لهم أمر معاشهم ودينهم . وأما اللعنة فهي الطرد والبعد ، ومن كان مطرودا مبعدا عن الله وعن رسوله وعن كتابه وعن صالح عباده فلا خير فيه ولا في قربه . ومن رزقه الله تعالى توسما وفراسة ، ونورا وفرقانا عرف من سحن الناس ووجوههم أعمالهم ، فإن أعمال العمال بائنة ولائحة على وجوههم وفي أعينهم وكلامهم . وقد ذكر الله اللوطية وجعل ذلك آيات للمتوسمين فقال تعالى : ( فأخذتهم الصيحة مشرقين ، فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجين إن في ذلك لآيات للمتوسمين ) [ الحجر : 73 - 75 ] وما بعدها . وقال تعالى : ( أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لم يخرج الله أضغانهم ، ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم ، ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم ) [ محمد : 29 - 31 ] ونحو ذلك من الآيات والأحاديث . فاللوطي قد عكس الفطرة ، وقلب الامر ، فأتى ذكرا فقلب الله قلبه ، وعكس عليه أمره ، بعد صلاحه وفلاحه ، إلا من تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى . وخصال التائب قد ذكرها الله في آخر سورة براءة ، فقال : ( التائبون العابدون ) [ التوبة : 113 ] فلا بد للتائب من العبادة والاشتغال بالعمل للآخرة ، وإلا فالنفس همامة متحركة ، إن لم تشغلها بالحق وإلا شغلتك بالباطل ، فلا بد للتائب من أن يبدل تلك الأوقات التي مرت له في المعاصي بأوقات الطاعات ، وأن يتدارك ما فرط فيها وأن يبدل تلك الخطوات بخطوات إلى الخير ، ويحفظ لحظاته وخطواته ، ولفظاته وخطراته . قال رجل للجنيد : أوصني ، قال : توبة تحل الاصرار ، وخوف يزيل العزة ، ورجاء مزعج إلى طرق الخيرات ، ومراقبة الله في خواطر القلب . فهذه صفات التائب . ثم قال الله تعالى ( الحامدون السائحون الراكعون الساجدون ) الآية [ التوبة : 113 ] فهذه خصال التائب كما قال تعالى : ( التائبون ) فكأن قائلا يقول : من هم ؟ قيل هم العابدون السائحون إلى آخر الآية ، وإلا فكل تائب لم يتلبس بعد توبته بما يقربه إلى من
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في كتاب الحدود . باب ( 27 ) . والترمذي في الحدود باب ( 24 ) وابن ماجة في الحدود ( 12 ) .