ابن كثير

186

البداية والنهاية

تاب إليه فهو في بعد وإدبار ، لا في قرب وإقبال ، كما يفعل من اغتر بالله من المعاصي المحظورات ، ويدع الطاعات ، فإن ترك الطاعات وفعل المعاصي أشد وأعظم من ارتكاب المحرمات بالشهوة النفسية . فالتائب هو من اتقى المحذورات ، وفعل المأمورات ، وصبر على المقدورات ، والله سبحانه وتعالى هو المعين الموفق ، وهو عليم بذات الصدور . قالوا : وكان الوليد لحانا كما جاء من غير وجه أن الوليد خطب يوما فقرأ في خطبته ( يا ليتها كانت القاضية ) فضم التاء من ليتها ، فقال عمر بن عبد العزيز : يا ليتها كانت عليك وأراحنا الله منك ، وكان يقول : يا أهل المدينة . وقال عبد الملك يوما لرجل من قريش ( 1 ) : إنك لرجل لولا أنك تلحن ، فقال : وهذا ابنك الوليد يلحن ، فقال : لكن ابني سليمان لا يلحن ، فقال الرجل : وأخي أبو فلان لا يلحن . وقال ابن جرير : حدثني عمر ثنا علي - يعني ابن محمد المدائني - قال : كان الوليد بن عبد الملك عند أهل الشام أفضل خلائفهم ، بنى المساجد بدمشق ( 2 ) ، ووضع المنائر ، وأعطى الناس ، وأعطى المجذومين ، وقال لهم : لا تسألوا الناس ، وأعطى كل مقعد خادما ، وكل ضرير قائدا ( 3 ) ، وفتح في ولايته فتوحات كثيرة عظاما ، وكان يرسل بنيه في كل غزوة إلى بلاد الروم ، ففتح الهند والسند والأندلس وأقاليم بلاد العجم ، حتى دخلت جيوشه إلى الصين وغير ذلك ، قال : وكان مع هذا يمر بالبقال فيأخذ حزمة البقل بيده ويقول : بكم تبيع هذه ؟ فيقول : بفلس ، فيقول : زد فيها فإنك تربح . وذكروا أنه كان يبر حملة القرآن ويكرمهم ويقضي عنهم ديونهم ، قالوا : وكانت همة الوليد في البناء ، وكان الناس كذلك يلقى الرجل الرجل فيقول : ماذا بنيت ؟ ماذا عمرت ؟ وكانت همة أخيه سليمان في النساء ، وكان الناس كذلك ، يلقى الرجل الرجل فيقول : كم تزوجت ؟ ماذا عندك من السراري ؟ وكانت همة عمر بن عبد العزيز في قراءة القرآن ، وفي الصلاة والعبادة ، وكان الناس كذلك ، يلقى الرجل الرجل فيقول : كم وردك ؟ كم تقرأ كل يوم ؟ ماذا صليت البارحة ؟ والناس يقولون : الناس على دين مليكهم ، إن كان خمارا كثر الخمر . وإن كان لوطيا فكذلك وإن كان شحيحا حريصا كان الناس كذلك ، وإن كان جوادا كريما شجاعا كان الناس كذلك ، وإن كان طماعا ظلوما غشوما فكذلك ، وإن كان ذا دين وتقوى وبر وإحسان كان الناس كذلك وهذا يوجد في بعض الأزمان وبعض الأشخاص ، والله أعلم .

--> ( 1 ) تقدم أن الحادثة حصلت بين عبد الملك وخالد بن يزيد بن معاوية . ( 2 ) في الطبري 8 / 97 : مسجد دمشق ومسجد المدينة . ( 3 ) قال ابن خلكان 6 / 254 : رتب للزمني والاضراء من يقودهم ويخدمهم لأنه أصابه رمد بعينيه فأقام مدة لا يبصر شيئا فقال : إن أعادهما الله تعالى علي قمت بحقه فيهما . فلما برئ رأى أن شكر هذه النعمة الاحسان إلى العميان .