ابن كثير

164

البداية والنهاية

ويقال إنه كان مع المعبد ثلاث دور عظيمة للملوك ، ويحيط بهذه الدور والمعبد سور واحد عال منيف ، بحجارة كبار منحوتة ، وهن دار المطبق ، ودار الخيل ، ودار كانت تكون مكان الخضراء التي بناها معاوية . قال ابن عساكر فيما حكاه عن كتب بعض الأوائل : إن اليونان مكثوا يأخذون الطالع لبناء دمشق وهذه الأماكن ثماني عشرة سنة ، وقد حفروا أساس الجدران حتى واتاهم الوقت الذي طلع فيه الكوكبان اللذان أرادوا أن هذا المعبد لا يخرب أبدا ولا تخلو منه العبادة ، وأن هذه الدار إذا بنيت لا تخلو من أن تكون دار الملك والسلطنة . قلت : أما المعبد فلم يخل من العبادة . قال كعب الأحبار : لا يخلو منها حتى تقوم الساعة ، وأما دار الملك التي هي الخضراء فقد جدد بناءها معاوية ، ثم أحرقت في سنة إحدى وستين وأربعمائة كما سنذكره ، فبادت وصارت مساكن ضعفاء الناس وأراذلهم في الغالب إلى زماننا هذا . والمقصود أن اليونان استمروا على هذه الصفة التي ذكرناها بدمشق مددا طويلة ، تزيد على أربعة آلاف سنة ، حتى أنه يقال إنه أول من بنى جدران هذا المعبد الأربعة هود عليه الصلاة والسلام ، وقد كان هود قبل إبراهيم الخليل بمدد طويلة ، وقد ورد إبراهيم الخليل دمشق ونزل شمالها عند برزة ( 1 ) ، وقاتل هناك قوما من أعدائه فظفر بهم ، ونصره الله عليهم ، وكان مقامه لمقاتلتهم عند برزة ، فهذا المكان المنسوب إليه بها منصوص عليه في الكتب المتقدمة يأثرونه كابرا عن كابر وإلى زماننا والله أعلم . وكانت دمشق إذ ذاك عامرة آهلة بمن فيها من اليونان ، وكانوا خلقا لا يحصيهم إلا الله ، وهم خصماء الخليل ، وقد ناظرهم الخليل في عبادتهم الأصنام والكواكب وغيرها في غير موضع ، كما قررنا ذلك في التفسير ، وفي قصة الخليل من كتابنا هذا " البداية والنهاية " ولله الحمد وبالله المستعان . والمقصود أن اليونان لم يزالوا يعمرون دمشق ويبنون فيها وفي معاملاتها من أرض حوران والبقاع وبعلبك وغيرها ، البنايات الهائلة الغريبة العجيبة ، حتى إذا كان بعد المسيح بمدة نحو من ثلاثمائة سنة تنصر أهل الشام على يد الملك قسطنطين بن قسطنطين ، الذي بنى المدينة المشهورة به ببلاد الروم وهي القسطنطينية ، وهو الذي وضع لهم القوانين ، وقد كان أولا هو وقومه وغالب أهل الأرض يونانا ، ووضعت له بطاركته النصارى دينا مخترعا مركبا من أصل دين النصرانية ، ممزوجا بشئ من عبادة الأوثان ، وصلوا به إلى الشرق ، وزادوا في الصيام ، وأحلوا الخنزير ، وعلموا أولادهم الأمانة الكبيرة فما يزعمون ، وإنما هي في الحقيقة خيانة كبيرة ، وجناية كثيرة حقيرة ، وهي مع ذلك في الحجم صغيرة . وقد تكلمنا على ذلك فيما سلف وبيناه . فبنى لهم هذا الملك الذي ينتسب إليه الطائفة الملكية من النصارى ، كنائس كبيرة في دمشق وفي غيرها ، حتى يقال إنه بنى اثنتي عشرة

--> ( 1 ) في معجم البلدان ( دمشق ) : ان إبراهيم عليه السلام ولد في غوطة دمشق في قرية يقال لها برزة في جبل قاسيون .