ابن كثير
165
البداية والنهاية
الف كنيسة ، وأوقف عليها أوقافا دارة ، من ذلك كنيسة بيت لحم ، وقمامة في القدس ، بنتها أم هيلانة الغندقانية ، وغير ذلك . والمقصود أنهم - يعني النصارى - حولوا بناء هذا المعبد الذي هو بدمشق معظما عند اليونان فجعلوه كنيسة يوحنا ، وبنوا بدمشق كنائس كثيرة غيرها مستأنفة ، واستمر النصارى على دينهم بدمشق وغيرها نحوا من ثلاثمائة سنة ، حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ، فكان من شأنه ما تقدم بعضه في كتاب السيرة من هذا الكتاب ، وقد بعث إلى ملك الروم في زمانه - وهو قيصر ذلك الوقت - واسمه هرقل يدعوه إلى الله عز وجل ، وكان من مراجعته ومخاطبته إلى أبي سفيان ما تقدم ، ثم بعث أمراءه الثلاثة ، زيد بن حارثة ، وجعفر ، وابن رواحة ، إلى البلقاء من تخوم الشام ، فبعث الروم إليهم جيشا كبيرا فقتلوا هؤلاء الامراء وجماعة ممن معهم من الجيش ، فعزم النبي صلى الله عليه وسلم على قتال الروم ودخول الشام عام تبوك ، ثم رجع عام ذلك لشدة الحر ، وضعف الحال ، وضيقه على الناس . ثم لما توفي بعث الصديق الجيوش إلى الشام بكمالها ، ومن ذلك مدينة دمشق بأعمالها ، وقد بسطنا القول في ذلك عند ذكر فتحها ، فلما استقرت اليد الاسلامية عليها وأنزل الله رحمته فيها ، وساق بره إليها ، وكتب أمير الحرب أبو عبيدة إذ ذاك ، وقيل خالد بن الوليد ، لأهل دمشق كتاب أمان ، أقروا أيدي النصارى على أربع عشرة كنيسة ، وأخذوا منهم نصف هذه الكنيسة التي كانوا يسمونها كنيسة مريحنا ، بحكم أن البلد فتحه خالد من الباب الشرقي بالسيف ، وأخذت النصارى الأمان من أبي عبيدة ، وكان على باب الجابية الصلح ، فاختلفوا ثم اتفقوا على أن جعلوا نصف البلد صلحا ونصفه عنوة ، فأخذوا نصف هذه الكنيسة الشرقي فجعله أبو عبيدة مسجدا يصلي فيه المسلمون ، وكان أول من صلى في هذا المسجد أبو عبيدة ثم الصحابة بعده في البقعة الشرقية منه ، التي يقال لها محراب الصحابة . ولكن لم يكن الجدار مفتوحا بمحراب محنى ، وإنما كانوا يصلون عند هذه البقعة المباركة ، والظاهر أن الوليد هو الذي فتق المحاريب في الجدار القبلي قلت : هذه المحاريب متجددة ليست من فتق الوليد ، وإنما فتق الوليد محرابا واحدا ، إن كان قد فعل ، ولعله لم يفعل شيئا منها ، فكان يصلي فيه الخليفة ، وبقيتها فتقت قريبا ، لكل إمام محراب ، شافعي وحنفي ومالكي وحنبلي ، وهؤلاء إنما حدثوا بعد الوليد بزمان . وقد كره كثير من السلف مثل هذه المحاريب ، وجعلوه من البدع المحدثة ، وكان المسلمون والنصارى يدخلون هذا المعبد من باب واحد ، وهو باب المعبد الاعلى من جهة القبلة ، مكان المحراب الكبير الذي في المقصورة اليوم ، فينصرف النصارى إلى جهة الغرب إلى كنيستهم ، ويأخذ المسلمون يمنة إلى مسجدهم ، ولا يستطيع النصارى أن يجهروا بقراءة كتابهم ، ولا يضربوا بناقوسهم ، إجلالا للصحابة ومهابة وخوفا . وقد بنى معاوية في أيام ولايته على الشام دار الامارة قبلي المسجد الذي كان للصحابة ، وبنى فيها قبة خضراء ، فعرفت الدار بكمالها بها ، فسكنها معاوية أربعين سنة كما قدمنا . ثم لم يزل الامر على ما ذكرنا من أمر هذه الكنيسة شطرين بين المسلمين والنصارى ، من سنة أربع عشرة ، إلى سنة ست وثمانين في ذي القعدة منها ، وقد صارت الخلافة