ابن كثير

141

البداية والنهاية

وتهلكته ، من قليل المراقبة لله . فغضب الحجاج غضبا شديدا ثم قال : أيها الشيخ ! أتعرف الحجاج إذا رأيته ؟ قال : نعم ! فلا عرفه الله خيرا ولا وقاه ضرا . فكشف الحجاج عن لثامه وقال : ستعلم أيها الشيخ الآن إذا سال دمك الساعة . فلما تحقق الشيخ الجد قال : والله إن هذا لهو العجب يا حجاج ، لو كنت تعرفني ما قلت هذه المقالة ، أنا العباس بن أبي داود ، أصرع كل يوم خمس مرات ، فقال الحجاج : انطلق فلا شفى الله الأبعد من جنونه ولا عافاه . وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، ثنا حماد بن سلمة ، عن ابن أبي رافع ، عن عبد الله بن جعفر ( 1 ) ، قال خالد بن يزيد بن معاوية لعبد الملك : أتمكنه من ذلك ؟ فقال : وما بأس من ذلك . قال : أشد الناس والله ، قال : كيف ؟ قال : والله يا أمير المؤمنين لقد ذهب ما في صدري على آل الزبير منذ تزوجت ( 2 ) رملة بنت الزبير ، قال : وكأنه كان نائما فأيقظه ، فكتب إلى الحجاج يعزم عليه بطلاقها فطلقها . وقال سعيد بن أبي عروبة : حج الحجاج مرة فمر بين مكة والمدينة فأتي بغدائه فقال لحاجبه : انظر ما يأكل معي ، فذهب فإذا أعرابي نائم فضربه برجله وقال : أجب الأمير ، فقام فلما دخل على الحجاج قال له : اغسل يديك ثم تغد معي ، فقال : إنه

--> ( 1 ) كذا بالأصل ، وفي الحديث تشويش نتج عن سقط فقرة من الحديث أخلق بالمعنى . وتمامه من مسند أحمد ج 1 / 206 : أنه زوج ابنته من الحجاج بن يوسف فقال لها : إذا دخل بك فقولي : لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم ، الحمد لله رب العالمين - وزعم أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان إذا حزبه أمر قال هذا - قال حماد : فظننت أنه قال : فلم يصل إليها . ( 2 ) كذا بالأصول والظاهر أن في مواضع من هذا الخبر تحريفا . ولعل ما ورد في الكامل للمبرد 1 / 205 يلقي ضوءا على اختلال المعنى وتشويش قال أبو العباس : وذكر العتبي أن الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفي لما أكره عبد الله بن جعفر على أن زوجه ابنته استأجله في نقلها سنة . ففكر عبد الله بن جعفر في الانفكاك منه ، فألقي في روعه خالد بن يزيد فكتب إليه يعلمه ذلك ، وكان الحجاج تزوجها بإذن عبد الملك فورد على خالد كتابه ليلا ، فاستأذن من ساعته على عبد الملك ، فقيل له : أفي هذا الوقت ؟ فقال : أنه أمر لا يؤخر . فأعلم عبد الملك بذلك فأذن له ، فلما دخل عليه قال له عبد الملك : فيم السرى يا أبا هاشم ؟ قال : أمر جليل لم آمن أن أؤخره فتحدث علي حادثة فلا أكون قضيت حق بيعتك . قال : وما هو ؟ قال : أتعلم أنه ما كان بين حيين من العداوة والبغضاء ما كان بين آل الزبير وآل أبي سفيان . قال : لا . قال : فإن تزويجي إلى آل الزبير حلل ما كان لهم في قلبي ، فما أهل بيت أحب إلي منهم . قال : فإن ذلك ليكون . قال : فكيف أذنت للحجاج أن يتزوج في بني هاشم ، وأنت تعلم ما يقولون ويقال فيهم ، والحجاج من سلطانك بحيث علمت . قال : فجزاه خيرا وكتب إلى الحجاج بعزمة أن يطلقها ، فطلقها فغدا الناس عليه يعزونه عنها . فكان فيمن أتاه عمرو بن عتبة بن أبي سفيان فأوقع الحجاج بخالد فقال : كان الامر لآبائه فعجز عنه حتى انتزع منه فقال له عمرو بن عتبة : لا تقل ذا أيها الأمير فإن لخالد قديما سبق إليه وحديثا لم يغلب عليه ، ولو طلب الامر لطلبه بحذر جد ولكنه علم علما فسلم العلم إلى أهله . فقال الحجاج : يا آل أبي سفيان أنتم تحبون أن تحلموا ولا يكون الحلم إلا عن غضب فنحن نغضبكم في العاجل ابتغاء مرضاتكم في الآجل . ثم قال الحجاج : والله لأتزوجن من هو أمس به رحما ثم لا يمكنه فيه شئ . فتزوج أم الجلاس بنت عبد الله بن خالد بن أسيد .