ابن كثير
142
البداية والنهاية
دعاني من هو خير منك ، قال : ومن ؟ قال الله دعاني إلى الصوم فأجبته ، قال : في هذا الحر الشديد ؟ قال : نعم صمت ليوم هو أشد حرا منه ، قال : فأفطر وصم غدا ، قال : إن ضمنت لي البقاء لغد . قال : ليس ذلك لي ، قال : فكيف تسألني عاجلا بآجل لا تقدر عليه ؟ قال : إن طعامنا طعام طيب ، قال : لم تطيبه أنت ولا الطباخ ، إنما طيبته العافية . فصل قد ذكرنا كيفية دخول الحجاج الكوفة في سنة خمس وسبعين وخطبته إياهم بغتة ، وتهديده ووعيده إياهم ، وأنهم خافوه مخافة شديدة ، وأنه قتل عمير بن ضابئ ، وكذلك قتل كميل بن زياد صبرا ، ثم كان من أمره في قتال ابن الأشعث ما قدمنا ، ثم تسلط على من كان معه من الرؤساء والامراء والعباد والقراء ، حتى كان آخر من قتل منهم سعيد بن جبير . قال القاضي المعافى زكريا : ثنا أحمد بن محمد بن سعد الكلبي ، ثنا محمد بن زكريا الغلابي ، ثنا محمد - يعني ابن عبد الله بن عباس - عن عطاء - يعني ابن مصعب - عن عاصم قال : خطب الحجاج أهل العراق بعد دير الجماجم ، فقال : يا أهل العراق إن الشيطان قد استبطنكم فخالط اللحم والدم ، والعصب والمسامع ، والأطراف ( 1 ) ، ثم أفضى إلى الاسماخ ( 2 ) والامخاخ ، والأشباح والأرواح ، ثم ارتع فعشش ، ثم باض وفرخ ، ثم دب ودرج ، فحشاكم نفاقا وشقاقا ، وأشعركم خلافا ، اتخذتموه دليلا تتبعونه ، وقائدا تطيعونه ، ومؤتمنا تشاورونه وتستأمرونه ، فكيف تنفعكم تجربة ، أو ينفعكم بيان ( 3 ) ؟ ألستم أصحابي بالأهواز حيث منيتم المكر واجتمعتم على الغدر ، واتفقتم على الكفر ، وظننتم أن الله يخذل دينه وخلافته ، وأنا والله أرميكم بطرفي وأنتم تتسللون لواذا ، وتنهزمون سراعا . ويوم الزاوية وما يوم الزاوية ، مما كان من فشلكم وتنازعكم وتخاذلكم وبراءة الله منكم ، ونكوس قلوبكم إذ وليتم كالإبل الشاردة عن أوطانها النوازع ، لا يسأل المرء منكم عن أخيه ، ولا يلوي الشيخ على بنيه ، حين عضكم السلاح ، ونختعكم ( 4 ) الرماح . ويوم دير الجماجم وما يوم دير الجماجم ، بها كانت المعارك والملاحم : بضرب يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله يا أهل العراق يا أهل الكفران بعد الفجران ، والغدران بعد الخذلان ( 5 ) ، والنزوة بعد النزوات ، إن بعثناكم إلى ثغوركم غللتم وخنتم ، وإن أمنتم أرجفتم ، وإن خفتم نافقتم ، لا
--> ( 1 ) زيد في العقد الفريد : 2 / 152 : والأعضاء والشغاف . ( 2 ) في العقد والبيان والتبيين 2 / 120 : الاصماخ . وفي مروج الذهب 3 / 160 : الأضلاع . ( 3 ) زيد في العقد : أو تعظكم وقعة أو يحجزكم اسلام أو يردكم إيمان . ( 4 ) في العقد : وقصمتكم ، وفي مروج الذهب : وقصفتكم . وفي البيان والتبيين ! ووقصتكم . ( 5 ) في العقد والبيان والتبيين : الكفرات بعد الفجرات ، والغدرات بعد الخترات .