ابن كثير

133

البداية والنهاية

ودعا لي ، ثم انتهى إلى حائط فقال ، يا حمزة ترى هذا الحائط ؟ قلت : نعم ! قال : فإني اتكأت عليه يوما وأنا حزين فإذا رجل حسن الوجه حسن الثياب ينظر في تجاه وجهي ، ثم قال : يا علي بن الحسين ! مالي أراك كئيبا حزينا على الدنيا ! فهي رزق حاضر يأخذ منها البر والفاجر . فقلت : ما عليها أحزن لأنها كما تقول ، فقال على الآخرة ؟ فهي وعد صادق ، يحكم فيها ملك قادر ، فقلت : ما على هذا أحزن لأنه كما تقول . فقال : فعلام حزنك ؟ فقلت : ما أتخوف من الفتنة - يعني فتنة ابن الزبير - فقال لي : يا علي ! هل رأيت أحدا سأل الله فلم يعطه ؟ قلت : لا ! قال ويخاف الله فلم يكفه ؟ قلت : لا ! ثم غاب عني فقيل لي : يا علي إن هذا الخضر الذي جاءك لفظ الخضر مزاد فيه من بعض الرواة . وقال الطبراني : حدثنا محمد بن عبد الله الخضري ، حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا جرير ، عن عمر بن حارث . قال : لما مات علي بن الحسين فغسلوه جعلوا ينظرون إلى آثار سواد في ظهره . فقالوا : ما هذا ؟ فقيل : كان يحمل جرب الدقيق ليلا على ظهره يعطيه فقراء أهل المدينة . وقال ابن عائشة : سمعت أهل المدينة يقولون : ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي بن الحسين . وروى عبد الله بن حنبل : عن ابن اشكاب ، عن محمد بن بشر ، عن أبي المنهال الطائي أن علي بن الحسين كان إذا ناول المسكين الصدقة قبله ثم ناوله . وقال الطبري . حدثنا يحيى بن زكريا الغلابي ، حدثنا العتبي حدثني أبي قال : قال علي بن الحسين - وكان من أفضل بني هاشم الأربعة - يا بني اصبر على النوائب ولا تتعرض للحقوق ، ولا تخيب أخاك إلا في الامر الذي مضرته عليك أكثر من منفعته لك . وروى الطبراني باسناده عنه : أنه كان جالسا في جماعة فسمع داعية في بيته فنهض فدخل منزله ثم رجع إلى مجلسه ، فقيل له . أمن حدث كانت الداعية ؟ قال : نعم ! فعزوه وتعجبوا من صبره ، فقال : إنا أهل بيت نطيع الله عز وجل فيما نحبه ، ونحمده على ما نكره . وروى الطبراني عنه قال : إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم أهل الفضل فيقوم ناس من الناس فيقال لهم : انطلقوا إلى الجنة . فتلقاهم الملائكة فيقولون : إلى أين ؟ فيقولون : إلى الجنة . فيقولون قبل الحساب ؟ قالوا : نعم : قالوا : من أنتم ؟ قالوا نحن أهل الفضل ، قالوا : وما كان فضلكم ؟ قالوا : كنا إذا جهل علينا حملنا ، وإذا ظلمنا صبرنا ، وإذا أسئ إلينا غفرنا ، قالوا لهم : ادخلوا الجنة فنعم أجر العالمين . ثم ينادي مناد : ليقم أهل الصبر ، فيقوم ناس من الناس فيقال لهم انطلقوا إلى الجنة ، فتتلقاهم الملائكة فيقولون لهم مثل ذلك فيقولون : نحن أهل الصبر ، قالوا : فما كان صبركم ؟ قالوا : صبرنا أنفسنا على طاعة الله ، وصبرناها عن معصية الله ، وصبرناها على البلاء . فقالوا لهم : ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين . ثم ينادي المنادي : ليقم جيران الله في داره ! فيقوم ناس من الناس وهم قليل ، فيقال لهم : انطلقوا إلى الجنة ، فتتلقاهم الملائكة فيقولون لهم مثل ذلك ، فيقولون : بم استحققتم مجاورة الله عز وجل في داره ؟ فيقولون : كنا نتزاور في الله ، ونتجالس في الله ، ونتباذل في الله عز وجل . فيقال لهم ، ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين .