ابن كثير

13

البداية والنهاية

ولأعصبنكم عصب السلمة ، ( 1 ) ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل ( 2 ) ، إني والله لا أعد إلا وفيت ، ولا أخلق إلا فريت ( 3 ) ، فإياي وهذه الجماعات وقيلا وقالا ، والله لتستقيمن على سبيل الحق أو لأدعن لكل رجل منكم شغلا في جسده . ثم قال : من وجدت بعد ثالثة من بعث المهلب - يعني الذين كانوا قد رجعوا عنه لما سمعوا بموت بشر بن مروان كما تقدم - سفكت دمه وانتهبت ماله ، ثم نزل فدخل منزله ولم يزد على ذلك ، ويقال إنه لما صعد المنبر واجتمع الناس تحته أطال السكوت حتى أن محمد بن عمير أخذ كفا من حصى وأراد أن يحصبه بها ، وقال : قبحه الله ما أعياه وأذمه ! فلما نهض الحجاج وتكلم بما تكلم به جعل الحصى يتناثر من يده وهو لا يشعر به ، لما يرى من فصاحته وبلاغته . ويقال إنه قال في خطبته هذه ( 4 ) : شاهت الوجوه إن الله ضرب ( مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ) [ النحل : 112 ] وأنتم أولئك فاستووا واستقيموا ، فوالله لأذيقنكم الهوان حتى تذروا ، ولأعصبنكم عصب السلمة حتى تنقادوا ، وأقسم بالله لتقبلن على الانصاف ولتدعن الارجاف وكان وكان ، وأخبرني فلان عن فلان ، وإيش الخبر وما الخبر ، أو لأهبرنكم بالسيف هبرا يدع النساء أيامى والأولاد يتامى ، حتى تمشوا السمهى ( 5 ) وتقلعوا عن هاوها . في كلام طويل بليغ غريب يشتمل على وعيد شديد ليس فيه وعد بخير . فلما كان في اليوم الثالث سمع تكبيرا في السوق فخرج حتى جلس على المنبر فقال : يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق ، ومساوي الأخلاق ، إني سمعت تكبيرا في الأسواق ليس بالتكبير الذي يراد به الترغيب ، ولكنه تكبير يراد به الترهيب . وقد عصفت عجاجة تحتها قصف ، يا بني اللكيعة وعبيد العصا وأبناء الإماء والأيامى ، ألا يربع كل رجل منكم على ظلمه ، ويحسن حقن دمه ، ويبصر موضع قدمه ، فأقسم بالله لا وشك أن أوقع بكم وقعة تكون نكالا لما قبلها وأدبا لما بعدها . قال فقام إليه عمير بن ضابئ التميمي ثم الحنظلي فقال : أصلح الله الأمير إنا في هذا البعث

--> ( 1 ) في الكامل للمبرد : لأحزمنكم حزم السلمة ، والمعنى واحد . ( 2 ) بعدها في ابن الأثير : حتى تذروا العصيان وتنقادوا ، ولأقرعنكم قرع المروة حتى تلينوا . ( 3 ) أخلق : الخلق التقدير . ويقال فريت الأديم إذا أصلحته . ( 4 ) انظر الخطبة وبعض زيادة في ابن الأثير 4 / 376 الكامل للمبرد 1 / 224 والبيان والتبيين 2 / 224 مروج المذهب 3 / 155 وفتوح ابن الأعثم 7 / 5 - 9 ( 5 ) السهمي : الباطل ، وأصله ما تسميه العامة مخاط الشيطان ، وهو لعاب الشمس عند الظهيرة ، قال فيه أبو النجم العجلي : وذاب للشمس لعاب فنزل * وقام ميزان الزمان فاعتدل