ابن كثير
14
البداية والنهاية
وأنا شيخ كبير وعليل : وهذا ابني هو أشب مني . قال : ومن أنت ؟ قال عمير بن ضابئ التميمي ، قال : أسمعت كلامنا بالأمس ؟ قال : نعم ! قال : ألست الذي غزا عثمان بن عفان ؟ قال : بلى قال : وما حملك على ذلك ؟ قال : كان حبس أبي وكان شيخا كبيرا ، قال أوليس هو الذي يقول : هممت ولم أفعل وكدت وليتني * فعلت ووليت البكاء حلائلا ( 1 ) ثم قال الحجاج : إني لأحسب أن في قتلك صلاح المصرين ، ثم قال قم إليه يا حرسي فاضرب عنقه ، فقام إليه رجل فضرب عنقه وانتهب ماله ، وأمر مناديا فنادى في الناس ألا إن عمير بن ضابئ تأخر بعد سماع النداء ثلاثا فأمر بقتله ، فخرج الناس حتى ازدحموا على الجسر فعبر عليه في ساعة واحدة أربعة آلاف من مذحج ، وخرجت معهم العرفاء حتى وصلوا بهم إلى المهلب ، وأخذوا منه كتابا بوصولهم إليه ، فقال المهلب : قدم العراق والله رجل ذكر ، اليوم قوتل العدو . ويروى أن الحجاج لم يعرف عمير بن ضابئ حتى قال له عنبسة بن سعيد : أيها الأمير ! إن هذا جاء إلى عثمان بعد ما قتل فلطم وجهه ( 2 ) ، فأمر الحجاج عند ذلك بقتله . وبعث الحجاج الحكم بن أيوب الثقفي نائبا على البصرة من جهته ، وأمره أن يشتد على خالد بن عبد الله ، وأقر على قضاء الكوفة شريحا ثم ركب الحجاج إلى البصرة واستخلف على الكوفة أبا يعفور ، وولى قضاء البصرة لزرارة بن أوفى ، ثم عاد إلى الكوفة . وحج بالناس في هذه السنة عبد الملك بن مروان ، وأقر عمه يحيى على نيابة المدينة ، وعلى بلاد خراسان أمية بن عبد الله . وفي هذه السنة وثب الناس بالبصرة على الحجاج ، وذلك أنه لما ركب من الكوفة بعد قتل عمير بن ضابئ قام في أهل البصرة فخطبهم نظير ما خطب أهل الكوفة من الوعيد والتشديد والتهديد الأكيد ، ثم أتي برجل من بني يشكر ( 3 ) فقيل هذا عاص ، فقال : إن بي فتقا وقد عذرني الله وعذرني بشر بن مروان ، وهذا عطائي مردود على بيت المال ، فلم يقبل منه وأمر بقتله فقتل ، ففزع أهل البصرة وخرجوا من البصرة حتى اجتمعوا عند قنطرة رامهرمز . وعليهم عبد الله بن الجارود ، وخرج إليهم الحجاج - وذلك في شعبان من هذه السنة - في أمراء الجيش فاقتتلوا هناك قتالا شديدا ، وقتل أميرهم عبد الله بن الجارود في رؤوس من القبائل معه ، وأمر برؤوسهم فقطعت ونصبت عند الجسر من رامهرمز ، ثم بعت بها إلى المهلب فقوي بذلك وضعف أمير الخوارج ، وأرسل الحجاج إلى المهلب وعبد الرحمن بن مخنف فأمرهما بمناهضة الأزارقة ، فنهضا بمن معهما إلى الخوارج الأزارقة فأجلوهم عن أماكنهم من رامهرمز بأيسر قتال ، فهربوا إلى أرض كازرون من أقليم سابور ، وسار الناس وراءهم
--> ( 1 ) في ابن الأثير : تركت على عثمان تبكي حلائله . ( 2 ) في مروج الذهب 3 / 157 : كسر ضلعا من أضلاعه . ( 3 ) في ابن الأثير 4 / 380 : هو شريك بن عمرو اليشكري . ولقب ذا الكرسفة .