ابن كثير
123
البداية والنهاية
احترق البيت الذي هو فيه وهو قائم يصلي ، فلما انصرف قالوا له : مالك لم تنصرف ؟ فقال : إني اشتغلت عن هذه النار بالنار الأخرى ، وكان إذا توضأ يصفر لونه ، فإذا قام إلى الصلاة ارتعد من الفرق ، فقيل له في ذلك فقال : ألا تدرون بين يدي من أقوام ولمن أناجي ؟ ولما حج أراد أن يلبي فارتعد وقال : أخشى أن أقول لبيك اللهم لبيك ، فيقال لي : لا لبيك ، فشجعوه على التلبية ، فلما لبى غشي عليه حتى سقط عن الراحلة . وكان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة . وقال طاووس : سمعته وهو ساجد عند الحجر يقول : عبيدك بفنائك . سائلك بفنائك . فقيرك بفنائك ، قال طاووس : فوالله ما دعوت بها في كرب قط إلا كشف عني . وذكروا أنه كان كثير الصدقة بالليل ، وكان يقول صدقة الليل تطفئ غضب الرب ، وتنور القلب والقبر ، وتكشف عن العبد ظلمة يوم القيامة ، وقاسم الله تعالى ماله مرتين . وقال محمد بن إسحاق : كان ناس بالمدينة يعيشون لا يدرون من أين يعيشون ومن يعطيهم ، فلما مات علي بن الحسين فقدوا ذلك فعرفوا أنه هو الذي كان يأتيهم في الليل بما يأتيهم به . ولما مات وجدوا في ظهره وأكتافه أثر حمل الجراب إلى بيوت الأرامل والمساكين في الليل . وقيل إنه كان يعول مائة أهل بيت بالمدينة ولا يدرون بذلك حتى مات . ودخل علي بن الحسين على محمد بن أسامة بن زيد يعوده فبكى ابن أسامة فقال له ما يبكيك ؟ قال : علي دين ، قال : وكم هو ؟ قال خمسة عشر ألف دينار - وفي رواية سبعة عشر ألف دينار - فقال : هي علي وقال علي بن الحسين : كان أبو بكر وعمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته بمنزلتهما منه بعد وفاته . ونال منه رجل يوما فجعل يتغافل عنه - يريه أنه لم يسمعه - فقال له الرجل : إياك أعني ، فقال له علي : وعنك أغضي . وخرج يوما من المسجد فسبه رجل فانتدب الناس إليه ، فقال : دعوه ، ثم أقبل عليه فقال : ما ستره الله عنك من عيوبنا أكثر ، ألك حاجة نعينك عليها ؟ فاستحيا الرجل فألقى إليه خميصة كانت عليه ، وأمر له بألف درهم ، فكان الرجل بعد ذلك إذا رآه يقول : إنك من أولاد الأنبياء . قالوا : واختصم علي بن الحسين وحسن بن حسن - وكان بينهما منافسة - فنال منه حسن بن حسن وهو ساكت ، فلما كان الليل ذهب علي بن الحسين إلى منزله فقال : يا بن عم إن كنت صادقا يغفر الله لي ، وإن كنت كاذبا يغفر الله لك والسلام عليك ، ثم رجع ، فلحقه فصالحه . وقيل له من أعظم الناس خطرا ؟ فقال : من لم ير الدنيا لنفسه قدرا ، وقال أيضا : الفكرة مرآة تري المؤمن حسناته وسيئاته ، وقال : فقد الأحبة غربة ، وكان يقول : إن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد ، وآخرون عبدوه رغبة فتلك عبادة التجار ، وآخرون عبدوه محبة وشكرا فتلك عبادة الأحرار الأخيار . وقال لابنه : يا بني لا تصحب فاسقا فإنه يبيعك بأكلة وأقل منها يطمع فيها ثم لا ينالها ، ولا بخيلا فإنه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه ، ولا كذابا فإنه كالسراب يقرب منك البعيد ويباعد عنك القريب ، ولا أحمق