ابن كثير

120

البداية والنهاية

منه بالعلم ، فلا يقع في هلكة ، وقال : ولا أعلم أحدا اشترطه لهذه الثلاثة إلا عروة بن الزبير ، وعمر بن عبد العزيز . وكان عروة يقرأ كل يوم ربع القرآن ويقوم به في الليل ، وكان أيام الرطب يثلم حائطه للناس فيدخلون ويأكلون ، فإذا ذهب الرطب أعاده ، وقال الزهري : كان عروة بحرا لا ينزف ولا تكدره الدلاء . وقال عمر بن عبد العزيز : ما أحد أعلم من عروة وما أعلمه يعلم شيئا أجهله ، وقد ذكره غير واحد في فقهاء المدينة السبعة الذين ينتهي إلى قولهم ، وكان من جملة الفقهاء العشرة الذين كان عمر بن عبد العزيز يرجع إليهم في زمن ولايته على المدينة وقد ذكر غير واحد أنه وفد على الوليد بدمشق ، فلما رجع أصابته في رجله الآكلة فأرادوا قطعها ، فعرضوا عليه أن يشرب شيئا يغيب عقله حتى لا يحس بالألم ويتمكنوا من قطعها ، فقال : ما ظننت أن أحدا يؤمن بالله يشرب شيئا يغيب عقله حتى لا يعرف ربه عز وجل ، ولكن هلموا فاقطعوها فقطعوها من ركبته وهو صامت لا يتكلم ، ولا يعرف أنه أن ، وروى أنهم قطعوها وهو في الصلاة فلم يشعر لشغله بالصلاة فالله أعلم . ووقع في هذه الليلة التي قطعت فيها رجله ولد له يسمى محمدا كان أحب أولاده من سطح فمات ، فدخلوا عليه فعزوه فيه ، فقال : اللهم لك الحمد ، كانوا سبعة فأخذت واحدا وأبقيت ستة ، وكان لي أطراف أربعة فأخذت واحدا وأبقيت ثلاثة ، فلئن كنت قد أخذت فلقد أعطيت ، ولئن كنت قد ابتليت فقد عافيت . قلت : قد ذكر غير واحد أن عروة بن الزبير لما خرج من المدينة متوجها إلى دمشق ليجتمع بالوليد ، وقعت الاكلة في رجله في واد قرب المدينة وكان مبدؤها هناك ، فظن أنها لا يكون منها ما كان ، فذهب في وجهه ذلك ، فما وصل إلى دمشق إلا وهي قد أكلت نصف ساقه ، فدخل على الوليد فجمع له الأطباء العارفين بذلك ، فأجمعوا على أنه إن لم يقطعها وإلا أكلت رجله كلها إلى وركه . وربما ترقت إلى الجسد فأكلته ، فطابت نفسه بنشرها وقالوا له : ألا نسقيك مرقدا حتى يذهب عقلك منه فلا تحس بألم النشر ؟ فقال : لا ! والله ما كنت أظن أن أحدا يشرب شرابا ويأكل شيئا يذهب عقله ، ولكن إن كنتم لابد فاعلين فافعلوا ذلك وأنا في الصلاة فإني لا أحسن بذلك ، ولا أشعر به . قال : فنشروا رجله من فوق الاكلة ، من المكان الحي ، احتياطا أنه لا يبقى منها شئ ، وهو نائم يصلي ، فما تضور ولا اختلج ، فلما انصرف من الصلاة عزاه الوليد في رجله ، فقال : اللهم لك الحمد ، كان لي أطراف أربعة فأخذت واحدا فلئن كنت قد أخذت فقد أبقيت ، وإن كنت قد أبليت فلطالما عافيت ، فلك الحمد على ما أخذت وعلى ما عافيت . قال : وكان قد صحب معه بعض أولاده من جملتهم ابنه محمد ، وكان أحبهم إليه ، فدخل دار الدواب فرفسته فرس فمات ، فأتوه فعزوه فيه ، فقال : الحمد لله كانوا سبعة فأخذت منهم واحدا وأبقيت ستة ، فلئن كنت قد ابتليت فلطالما عافيت ، ولئن كنت قد أخذت فلطالما أعطيت . فلما قضى حاجته من دمشق رجع إلى المدينة ، قال : فما سمعناه ذكر رجله ولا ولده ، ولا شكا ذلك إلى أحد حتى دخل وادي القرى ، فلما كان في المكان الذي أصابته الاكلة فيه قال : ( لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ) [ الكهف : 63 ] فلما دخل المدينة أتاه الناس يسلمون عليه ويعزونه في رجله وولده ، فبلغه أن بعض