ابن كثير

114

البداية والنهاية

منها ، ثم كان يعتمر في كل سنة ويحج ، ثم إنه لجأ إلى مكة فأقام بها إلى أن وليها خالد بن عبد الله القسري ، فأشار من أشار على سعيد بالهرب منها فقال سعيد : والله لقد استحييت من الله مما أفر ولا مفر من قدره ؟ وتولى على المدينة عثمان بن حيان بدل عمر بن عبد العزيز ، فجعل يبعث من بالمدينة من أصحاب ابن الأشعث من العراق إلى الحجاج في القيود ، فتعلم منه خالد بن الوليد القسري فعين من عنده من مكة سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ، ومجاهد بن جبير ، وعمرو بن دينار ، وطلق ابن حبيب ( 1 ) . ويقال إن الحجاج أرسل إلى الوليد يخبره أن بمكة أقواما من أهل الشقاق ، فبعث خالد بهؤلاء إليه ثم عفا عن عطاء وعمرو بن دينار لأنهما من أهل مكة ، وبعث بأولئك الثلاثة ، فأما طلق فمات في الطريق قبل أن يصل ، وأما مجاهد فحبس فما زال في السجن حتى مات الحجاج ، وأما سعيد بن جبير فلما أوقف بين يدي الحجاج قال له : يا سعيد ألم أشركك في أمانتي ! ألم أستعملك ؟ ألم أفعل ألم أفعل ؟ كل ذلك يقول : نعم ، حتى ظن من عنده أنه سيخلي سبيله ، حتى قال له : فما حملك على الخروج علي وخلعت بيعة أمير المؤمنين ؟ فقال سعيد : إن ابن الأشعث أخذ مني البيعة على ذلك وعزم علي ، فغضب عند ذلك الحجاج غضبا شديدا وانتفخ حتى سقط طرف ردائه عن منكبه ، وقال له : ويحك ألم أقدم مكة فقتلت ابن الزبير وأخذت بيعة أهلها وأخذت بيعتك لأمير المؤمنين عبد الملك ؟ قال : بلى ، قال : ثم قدمت الكوفة واليا على العراق فجددت لأمير المؤمنين البيعة فأخذت بيعتك له ثانية ؟ قال : بلى ! قال فتنكث بيعتين لأمير المؤمنين وتفي بواحدة للحائك ابن الحائك ؟ يا حرسي اضرب عنقه . قال : فضربت عنقه فبدر رأسه عليه لاطئة صغيرة بيضاء ، وقد ذكر الواقدي نحو هذا ، وقال له : أما أعطيتك مائة ألف ؟ أما فعلت أما فعلت . قال ابن جرير : فحدثت عن أبي غسان مالك بن إسماعيل قال : سمعت خلف بن خليفة يذكر عن رجل قال : لما قتل الحجاج سعيد بن جبير فندر رأسه هلل ثلاثا ، مرة يفصح بها ، وفي الثنتين يقول مثل ذلك لا يفصح بها . وذكر أبو بكرة الباهلي قال : سمعت أنس بن أبي شيخ يقول : لما أتي الحجاج بسعيد بن جبير قال : لعن ابن النصرانية - يعني خالد القسري وكان هو الذي أرسل به من مكة - أما كنت أعرف مكانه ، بلى والله والبيت الذي هو فيه بمكة ، ثم أقبل عليه فقال : يا سعيد ما أخرجك علي ؟ فقال : أصلح الله الأمير ، أنا امرؤ من المسلمين يخطئ مرة ويصيب أخرى ، فطابت نفس الحجاج وانطلق وجهه ، ورجا الحجاج أن يتخلص من أمره ، ثم عاوده في شئ فقال سعيد ، إنما كانت بيعة في عنقي ، فغضب عند ذلك الحجاج فكان ما كان من قتله . وذكر عتاب بن

--> ( 1 ) في ابن الأعثم 7 / 158 : دعا الحجاج إسماعيل بن الأوسط والمتلمس بن الأحوص وضم إليها نفرا من أصحابه وأمرهما بطلب سعيد بن جبير فخرج القوم في طلبه يسألون عنه وعن موضعه . . . مروا براهب في صومعة فسألوه عنه . . . فسار القوم حتى ووقفوا عليه . وفي حلية الأولياء لأبي نعيم 4 / 291 أرسل قائدا من أهل الشام ومعه عشرون رجلا من أهل الشام من خاصة أصحابه . . . وانظر الطبري 8 / 95 وابن الأثير 4 / 580 ووفيات الأعيان 2 / 372 وتاريخ أصبهان 1 / 324 .