ابن كثير
115
البداية والنهاية
بشر عن سالم الأفطس قال : أتي الحجاج بسعيد بن جبير وهو يريد الركوب وقد وضع إحدى رجليه في الغرز ، فقال : والله أركب حتى تتبوأ مقعدك من النار ، اضربوا عنقه ، فضربت عنقه . قال : والتبس الحجاج في عقله مكانه ، فجعل يقول : قيودنا قيودنا ، فظنوا أنه يريد القيود التي على سعيد ، فقطعوا رجليه من أنصاف ساقيه وأخذوا القيود : وقال محمد بن أبي حاتم : ثنا عبد الملك بن عبد الله [ عن هلال ] بن خباب ، قال : جئ بسعيد بن جبير إلى الحجاج فقال : كتبت إلى مصعب بن الزبير ؟ فقال : بلى كتبت إلى مصعب ، قال : لا والله لأقتلنك قال : إني إذا لسعيد كما سمتني أمي . قال فقتله ، فلم يلبث الحجاج بعده إلا أربعين يوما ، وكان إذا نام يراه في المنام يأخذ بمجامع ثوبه ويقول : يا عدو الله فيم قتلتني ؟ فيقول الحجاج : مالي ولسعيد بن جبير ، مالي ولسعيد بن جبير ؟ قال ابن خلكان ( 1 ) : كان سعيد بن جبير بن هشام الأسدي مولى بني والبة ( 2 ) كوفيا أحد الاعلام من التابعين ، وكان أسود اللون ، وكان لا يكتب على الفتيا ، فلما عمي ابن عباس كتب ، فغضب ابن عباس من ذلك ، وذكر مقتله كنحو ما تقدم ، وذكر أنه كان في شعبان ، وأن الحجاج مات بعده في رمضان ، وقيل قبل بستة أشهر . وذكر عن الإمام أحمد أنه قال : قتل سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا وهو محتاج - أو قال مفتقر - إلى علمه . ويقال ان الحجاج لم يسلط بعده على أحد ، وسيأتي في ترجمة الحجاج أيضا من هذا . قال ابن جرير : وكان يقال لهذه السنة سنة الفقهاء ، لأنه مات فيها عامة فقهاء المدينة ، مات في أولها علي ابن الحسين ، زين العابدين ، ثم عروة بن الزبير ، ثم سعيد بن المسيب ، وأبو بكر عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وسعيد بن جبير من أهل مكة ، وقد ذكرنا تراجم هؤلاء في كتابنا التكميل ، وسنذكر طرفا صالحا ها هنا إن شاء الله تعالى . قال ابن جرير : واستقضى الوليد بن عبد الملك في هذه السنة على الشام سليمان بن صرد ( 3 ) وحج بالناس فيها العباس ( 4 ) بن الوليد ، ويقال مسلمة بن عبد الملك ، وكان على نيابة مكة خالد القسري ، وعلى المدينة عثمان بن حيان ، وعلى المشرق بكماله الحجاج ، وعلى خراسان قتيبة بن مسلم ، وعلى الكوفة من جهة الحجاج زياد بن جرير ، وعلى قضائها أبو بكر بن أبي موسى ، وعلى إمرة البصرة من جهة الحجاج الجراح بن عبد الله الحكمي ، وعلى قضائها عبد الله ( 5 ) بن أذينة ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
--> ( 1 ) وفيات الأعيان - ترجمة 261 ج 2 / 371 . ( 2 ) بنو والبة بن الحارث بطن من بني أسد بن خزيمة . ( 3 ) في الطبري 8 / 95 وابن الأثير 4 / 582 : حبيب . ( 4 ) في الطبري وابن الأثير : عبد العزيز . ( 5 ) في الطبري 8 / 95 : عبد الرحمن بن أذينة ، مصغرا العبدي الكوفي قاضي البصرة ثقة من الثالثة وهم من ذكره في الصحابة ( تقريب التهذيب 1 / 472 / 860 ) .