ابن كثير
111
البداية والنهاية
فروة بن مجاهد قيل إنه كان من الابدال ، أسر مرة وهو في غزوة هو وجماعة معه فأتوا بهم الملك فأمر بتقييدهم وحبسهم في المكان والاحتراز عليهم إلى أن يصبح فيرى فيهم رأيه ، فقال لهم فروة : هل لكم في المضي إلى بلادنا ؟ فقالوا : وما ترى ما نحن فيه من الضيق ؟ فلمس قيودهم بيده فزالت عنهم ، ثم أتى باب السجن فلمسه بيده فانفتح ، فخرجوا منه ومضوا ، فأدركوا جيش المسلمين قبل وصولهم إلى البلد . أبو الشعثاء جابر بن زيد كان لا يماكس في ثلاث ، في الكرى إلى مكة ، وفي الرقبة يشتريها لتعتق ، وفي الأضحية . وقال : لا تماكس في شئ يتقرب به إلى الله . وقال ابن سيرين : كان أبو الشعثاء مسلما عبد الدينار والدرهم ، قلت ، كما قيل : - إني رأيت فلا تظنوا غيره * أن التورع عند هذا الدرهم فإذا قدرت عليه ثم تركه * فاعلم بأن تقاك تقوى المسلم وقال أبو الشعثاء : لان أتصدق بدرهم على يتيم ومسكين أحب إلي من حجة بعد حجة الاسلام . كان أبو الشعثاء من الذين أوتوا العلم ، وكان يفتي في البصرة ، وكان الصحابة مثل جابر بن عبد الله إذا سأله أهل البصرة عن مسألة يقول : كيف تسألونا وفيكم أبو الشعثاء ؟ وقال له جابر بن عبد الله : يا بن زيد إنك من فقهاء البصرة وإنك ستستفتى فلا تفتين إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية ، فإنك إن فعلت غير ذلك فقد هلكت وأهلكت . وقال عمرو بن دينار : ما رأيت أحدا أعلم بفتيا من جابر بن زيد . وقال إياس بن معاوية : أدركت أهل البصرة ومفتيهم جابر بن زيد من أهل عمان . وقال قتادة لما دفن جابر بن زيد : اليوم دفن أعلم أهل الأرض . وقال سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار قال أبو الشعثاء : كتب الحكم بن أيوب نفرا للقضاء أنا أحدهم - أي عمرو - فلو أني ابتليت بشئ منه لركبت راحلتي وهربت من الأرض . وقال أبو الشعثاء : نظرت في أعمال البر فإذا الصلاة تجهد البدن ولا تجهد المال ، والصيام مثل ذلك ، والحج يجهد المال والبدن ، فرأيت أن الحج أفضل من ذلك . وأخذ مرة قبضة تراب من حائط ، فلما أصبح رماها في الحائط ، وكان الحائط لقوم قالوا : لو كان كلما مر به أخذ منه قبضة لم يبق منه شئ . وقال أبو الشعثاء : إذا جئت يوم الجمعة إلى المسجد فقف على الباب وقل : اللهم اجعلني اليوم أوجه من توجه إليك ، وأقرب من تقرب إليك ، وأنجح من دعاك ورغب إليك . وقال سيار : حدثنا حماد بن زيد ثنا الحجاج بن أبي عيينة . قال : كان جابر بن زيد يأتينا في مصلانا ، قال : فأتانا ذات يوم وعليه نعلان خلقان ، فقال : مضى من