ابن كثير
112
البداية والنهاية
عمري ستون سنة نعلاي هاتان أحب إلي مما مضى منه إلا أن يكون خير قدمته . وقال صالح الدهان : كان جابر بن زيد إذا وقع في يده ستوق كسره ورمى به لئلا يغر به مسلم . الستوق الدرهم المغاير أو الدغل وقيل : هو المغشوش . وروى الإمام أحمد : حدثنا أبو عبد الصمد العمي ، حدثنا مالك بن دينار قال : دخل علي جابر بن زيد وأنا أكتب المصحف فقلت له : كيف ترى صنعتي هذه يا أبا الشعثاء ؟ قال : نعم الصنعة صنعتك ، تنقل كتاب الله ورقة إلى ورقة ، وآية إلى آية ، وكلمة إلى كلمة ، هذا الحلال لا بأس به وقال مالك بن دينار : سألته عن قوله تعالى ( إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ) [ الاسراء : 75 ] قال ضعف عذاب الدنيا وضعف عذاب الآخرة ( ثم لا تجد لك نصيرا ) [ الاسراء : 75 ] وقال سفيان : حدثني أبو عمير الحارث بن عمير قال : قالوا لجابر بن زيد عند الموت : ما تشتهي وما تريد ؟ قال : نظرة إلى الحسن . وفي رواية عن ثابت قال : لما ثقل على جابر بن زيد قيل له : ما تشتهي ؟ قال نظرة إلى الحسن . قال ثابت : فأتيت الحسن فأخبرته فركب إليه ، فلما دخل عليه قال لأهله : أقعدوني ، فجلس فما زال يقول : أعوذ بالله من النار وسوء الحساب . وقال حماد بن زيد : حدثنا حجاج بن أبي عيينة قال : سمعت هندا بنت المهلب بن أبي صفرة - وكانت من أحسن النساء - وذكروا عندها جابر بن زيد فقالوا : إنه كان إباضيا ، فقالت : كان جابر بن زيد أشد الناس انقطاعا إلي وإلى أمي ، فما أعلم عنه شيئا ، وكان لا يعلم شيئا يقربني إلى الله عز وجل إلا أمرني به ، ولا شيئا يباعدني عن الله إلا نهاني عنه ، وما دعاني إلى الأباضية ( 1 ) قط ولا أمرني بها ، وكان ليأمرني أين أضع الخمار - ووضعت يدها على الجبهة - أسند عن جماعة من الصحابة ، ومعظم روايته عن ابن عمر وابن عباس . ثم دخلت سنة أربع وتسعين فيها غزا العباس بن الوليد أرض الروم ، فقيل إنه فتح أنطاكية ، وغزا أخوه عبد العزيز بن الوليد فبلغ غزالة ، وبلغ الوليد بن هشام المعيطي أرض برج الحمام ، وبلغ يزيد بن أبي كبشة أرض
--> ( 1 ) الأباضية : وهم أتباع عبد الله بن أباض ، أحد بني مرة بن عبيدة من بني تميم ، وهم فرقة من الخوارج قالت بإمامته وافترقت هذه الجماعة فيما بينها فرقا يجمعها القول بأن كفار هذه الأمة برءاء من الشرك والايمان وانهم ليسوا مؤمنين ولا مشركين ولكنهم كفارا . وهم فرق أربع : الحفصية والحارثية واليزيدية وأصحاب طاعة لا يراد الله بها . ( الفرق بين الفرق ص 70 ) .