الفيض الكاشاني

343

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

ولا تزال في كدّ وغمّ إذ أعداؤك لا يخلَّيهم اللَّه عن نعم يفيضها عليهم ، فلا تزال تتعذّب بكلّ نعمة تراها وتتألَّم بكلّ بليّة تنصرف عنهم فتبقى مغموما محزونا متشعّب القلب ضيق النفس كما تشتهيه لأعدائك وكما يشتهي أعداؤك لك فقد كنت تريد المحنة لعدوّك فتنجّزت في الحال محنتك وغمّك نقدا ، ولا تزول النعمة على المحسود بحسدك ولو لم تكن تؤمن بالبعث والحساب لكان مقتضي الفطنة إن كنت عاقلا أن تحذر من الحسد لما فيه من ألم القلب ومساءته مع عدم النفع ، فكيف وأنت عالم بما في الحسد من العذاب الشديد في الآخرة فما أعجب من العاقل أن يتعرّض لسخط اللَّه من غير نفع يناله مع ضرر يحتمله وألم يقاسيه فيهلك دينه ودنياه من غير جدوى ولا فائدة ، وأمّا إنّه لا ضرر على المحسود في دينه ودنياه فواضح لأنّ النعمة لا تزول عنه بحسدك بل ما قدّره اللَّه من إقبال ونعمة فلا بدّ أن يدوم إلى أجل قدّره اللَّه فلا حيلة في دفعه بل « كلّ شيء عنده بمقدار » و « لكلّ أجل كتاب » ولذلك شكا نبيّ من الأنبياء من إمرة ظالمة مستولية على الخلق بالأذى فأوحى اللَّه تعالى إليه أن فرّ من قدّامها حتّى تنقضي أيّامها ، أي ما قدّرناه في الأزل لا سبيل إلى تغييره فاصبر حتّى تنقضي المدّة الَّتي سبق القضاء بدوام إقبالها فيها ، ومهما لم تزل النعمة بالحسد لم يكن على المحسود ضرر في الدّنيا ولا يكون عليه إثم في الآخرة . ولعلَّك تقول : ليت النعمة كانت تزول عن المحسود بحسدي ، وهذا غاية الجهل فإنّه بلاء تشتهيه أوّلا لنفسك فإنّك أيضا لا تخلو عن عدوّ يحسدك ، فلو كانت النعمة يزول بالحسد لم تبق للَّه عليك نعمة ولا على الخلق ولا نعمة الإيمان أيضا لأنّ الكفّار يحسدون المؤمنين على الإيمان قال تعالى : « ودّت طائفة من أهل الكتاب لو يضلَّونكم وما يضلَّون إلا أنفسهم وما يشعرون » ( 1 ) إذ ما يريده الحسود لا يكون ، نعم هو يضلّ بإرادته الضلال لغيره فإنّ إرادة الكفر كفر ، فمن اشتهى أن تزول النعمة عن المحسود بالحسد فكأنّه يريد أن يسلب نعمة

--> ( 1 ) آل عمران : 69 .