الفيض الكاشاني
344
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
الإيمان بحسد الكفّار وكذا سائر النعم ، وإن اشتهيت أن تزول النعمة عن الخلق بحسدك ولا تزول عنك بحسب غيرك فهذا غاية الجهل والغباوة ، فإنّ كلّ واحد من حمقاء الحسّاد أيضا يشتهي أن يخصّ بهذه الخاصيّة ولست بأولى من غيرك فنعمة اللَّه عليك في أن لم تزل النعمة بالحسد ممّا يجب عليك شكرها وأنت بجهلك تكرهها ، وأمّا إنّ المحسود ينتفع به في الدّين والدّنيا فواضح أمّا منفعته في الدّين فهو أنّه مظلوم من جهتك لا سيّما إذا أخرجك الحسد إلى القول أو الفعل بالغيبة والقدح فيه وهتك ستره وذكر مساويه فهذه هدايا تهديها إليه أعني أنّك بذلك تهدي إليه حسناتك حتّى تلقاه يوم القيامة مفلسا محروما عن النعمة كما حرمت في الدّنيا عن النعمة وكأنّك أردت زوال النعمة عنه فلم تزل ، نعم كان للَّه عليه نعمة إذ وفّقك للحسنات فنقلتها إليه فأضفت له نعمة إلى نعمة وأضفت لنفسك شقاوة إلى شقاوتك . وأمّا منفعته في الدّنيا فهو أنّ أهمّ أغراض الخلق مساءة الأعداء وغمهم وشقاوتهم وكونهم معذّبين مغمومين ، ولا عذاب أعظم ممّا أنت فيه من ألم الحسد وغاية أماني أعدائك أن يكونوا في نعمة وأن تكون في غمّ وحسرة بسببهم ، وقد فعلت بنفسك ما هو مرادهم ولذلك لا يشتهي عدوّك موتك بل يشتهي أن تطول حياتك ولكن في عذاب الحسد والغمّ لتنظر إلى نعمة اللَّه عليه وتنقطع قلبك حسدا ولذلك قيل : لا مات أعداؤك بل خلَّدوا * حتّى يروا فيك الَّذي يكمد لا زلت محسودا على نعمة * فإنّما الكامل من يحسد ولا خلاك الدّهر من حاسد * فإنّما الفاضل من يحسد ففرح عدوّك بغمّك وحسدك أعظم من فرحه بنعمته ، ولو علم خلاصك من ألم الحسد وعذابه لكان ذلك أعظم مصيبة وبليّة عنده فما أنت ممّا تلازمه من غمّ الحسد إلا كما يشتهيه عدوّك ، فإذا تأمّلت هذا عرفت أنّك عدوّ نفسك وصديق عدوّك إذ تعاطيت ما تضرّرت به في الدّنيا والآخرة ، وانتفع به عدوّك في الدّنيا والآخرة ، وصرت مذموما عند الخالق والخلائق ، شقيّا في الحال والمآل ونعمة المحسود دائمة شئت أو أبيت ، ثمّ لم تقتصر على تحصيل مراد عدوّك حتّى وصلت