الفيض الكاشاني
295
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
وقال نبيّ من الأنبياء لمن معه : من تكفّل لي أن لا يغضب فيكون معي في درجتي ويكون بعدي خليفتي فقال شابّ من القوم : أنا ، ثمّ أعاد عليه فقال الشابّ : أنا أوفي به فلمّا مات كان في منزلته بعده وهو ذو الكفل سمّي به لأنّه تكفّل بالغضب ووفى به . وقال وهب بن منبّه : للكفر أربعة أركان : الغضب ، والشهوة ، والخرق ، والطمع . * ( بيان حقيقة الغضب ) * اعلم أنّ اللَّه تعالى لمّا خلق الحيوان معرضا للفساد والموتان بأسباب في داخل بدنه وأسباب خارجة منه ، أنعم عليه بما يحميه الفساد ويدفع عنه الهلاك إلى أجل معلوم سمّاه في كتابه ، أمّا السبب الدّاخل فهو أنّه ركبه من الرّطوبة والحرارة وجعل بين الحرارة والرّطوبة عداوة ومضادّة فلا تزال الحرارة تحلَّل الرّطوبة وتجفّفها وتبخرها حتّى تتفشّى أجزاؤها بخارا يتصاعد منها ، فلو لم يتّصل بالرّطوبة مدد من الغذاء يجبر ما انحلّ وتبخر من أجزائها لفسد الحيوان ، فخلق اللَّه الغذاء الموافق لبدن الحيوان وخلق في الحيوان شهوة تبعثه على تناول الغذاء كالموكَّل به في جبر ما انكسر وسدّ ما انثلم ليكون ذلك حافظا له من الهلاك بهذا السبب . وأمّا الأسباب الخارجة الَّتي يتعرّض لها الإنسان فكالسيف والسنان وسائر المهلكات الَّتي يقصد بها فافتقر إلى قوّة وحميّة تثور من باطنه فتدفع المهلكات عنه فخلق اللَّه الغضب من النار وغرزها في الإنسان وعجنها بطينته ، فمهما قصد في غرض من أغراضه ومقصود من مقاصده اشتعلت نار الغضب وثارت ثورانا يغلي به دم القلب وينتشر في العروق ويرتفع إلى أعالي البدن كما ترتفع النار ، وكما يرتفع الماء الَّذي يغلي في القدر ولذلك ينصب إلى الوجه فيحمرّ الوجه والعين والبشرة بصفائها تحكي لون ما وراءها من حمرة الدّم كما تحكي الزّجاجة لون ما فيها ، وإنّما ينبسط الدّم إذا غضب على من دونه واستشعر القدرة عليه فإن صدر الغضب على من هو فوقه وكان معه يأس من الانتقام تولَّد منه انقباض الدّم من ظاهر الجلد