الفيض الكاشاني

296

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

إلى جوف القلب وصار حزنا ولذلك يصفر اللَّون وإن كان الغضب من نظير يشكّ فيه تولَّد منه تردّد بين انقباض وانبساط فيحمرّ ويصفر ويضطرب . وبالجملة فقوّة الغضب محلَّها القلب ومعناها غليان دم القلب لطلب الانتقام وإنّما يتوجّه هذه القوّة عند ثورانها إلى دفع المؤذيات قبل وقوعها وإلى التشفّي والانتقام بعد وقوعها ، والانتقام قوت هذه القوّة وشهوتها وفيه لذّتها ، ولا تسكن إلا به . ثمّ الناس في هذه القوّة على درجات ثلاث في أوّل الفطرة من التفريط والإفراط والاعتدال . أمّا التفريط فبفقد هذه القوّة أو ضعفها وذلك مذموم وهو الَّذي يقال فيه : إنّه لا حميّة له ولذلك قيل : من استغضب فلم يغضب فهو حمار ، فمن فقد قوّة الحميّة والغضب أصلا فهو ناقص جدّا ، وقد وصف اللَّه الصحابة بالشدّة والحميّة فقال : « أشدّاء على الكفّار » ( 1 ) وقال تعالى : « يا أيّها النبيّ جاهد الكفّار والمنافقين واغلظ عليهم » ( 2 ) وإنّما الغلظة والشدّة من آثار القوّة الحميّة وهو الغضب . وأمّا الإفراط فهو أن تغلب هذه الصفة حتّى تخرج من سياسة العقل والدّين وطاعتهما ، فلا يبقى للمرء معها بصيرة ونظر وفكر ولا اختيار ، بل يصير في صورة المضطرّ ، وسبب غلبته أمور غريزيّة وأمور اعتياديّة فربّ إنسان هو بالفطرة مستعدّ لسرعة الغضب حتّى كانّ صورته في الفطرة صورة غضبان ويعين على ذلك حرارة مزاج القلب لأنّ الغضب من النار كما قاله رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم [ 1 ] فبرودة المزاج تطفيه وتكسّر سورته . وأمّا الأسباب الاعتياديّة فهي أن يخالط قوما يتبجّحون بتشفّي الغيظ وطاعة الغضب ويسمّون ذلك شجاعة ورجوليّة فيقول الواحد منهم : أنا الَّذي لا أصبر على المحالّ ولا أحتمل من أحد أمرا ، ومعناه لا عقل لي ولا حلم ثمّ يذكره في معرض الفخر بجهله فمن سمعه فيرسخ في نفسه حسن الغضب وحبّ

--> ( 1 ) الفتح : 29 . ( 2 ) التوبة : 73 . [ 1 ] أخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد بسند ضعيف ، وأبو داود ج 2 ص 550 عن عطية هكذا قال قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله : « ان الغضب من الشيطان ، وان الشيطان خلق من النار ، وانما تطفأ النار بالماء ، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ » .