الفيض الكاشاني

265

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

فينبغي أن يستحيي من أن يترك نفسه ويذمّ غيره ، بل ينبغي أن يعلم أنّ عجز غيره عن نفسه في التنزّه عن ذلك العيب كعجزه وهذا إن كان ذلك عيبا يتعلَّق بفعله واختياره ، وإن كان أمرا خلقيّا فالذمّ له ذمّ للخالق فإنّ من ذمّ صنعة فقد ذمّ الصانع قال رجل لبعض الحكماء : يا قبيح الوجه ، فقال : ما كان خلق وجهي إليّ فأحسنه ، وإن لم يجد العبد عيبا في نفسه فليشكر اللَّه ولا يلوّثن نفسه بأعظم العيوب فإنّ ثلب الناس وأكل لحوم الميتة من أعظم العيوب بل لو أنصف لعلم أن ظنّه بنفسه أنّه برئ من كلّ عيب جهل بنفسه وهو من أعظم العيوب ، وينفعه أن يعلم أنّ تألَّم غيره بغيبته كتألَّمه بغيبة غيره له ، وإذا كان لا يرضى لنفسه أن يغتاب فينبغي أن لا يرضى لغيره مالا يرضاه لنفسه ، فهذه معالجات جمليّة . أمّا التفصيل فهو أن ينظر إلى السبب الباعث له على الغيبة فإنّ علاج العلَّة بقطع سببها ، وقد قدّمنا الأسباب ، أمّا الغضب فيعالجه بما سيأتي في كتاب آفات الغضب وهو أن يقول : إن أمضيت غضبي عليه لعلّ اللَّه يمضي غضبه عليّ بسبب الغيبة إذ نهاني عنها واستجرأت على نهيه واستخففت بزجره وقد قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّ لجهنّم بابا لا يدخله إلا من شفي غيظه بمعصية اللَّه » ( 1 ) . وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من اتّقى ربّه كلّ لسانه ولم يشف غيظه » ( 2 ) . وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من كظم غيظا وهو يقدر على أن يمضيه دعاه اللَّه يوم القيامة على رؤس الخلائق حتّى يخيّره في أيّ الحور شاء » ( 3 ) . وفي بعض كتب اللَّه « يا ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب فلا أمحقك فيمن أمحق » . وأمّا الموافقة فبأن تعلم أنّ اللَّه يغضب عليك إذا طلبت سخطه في رضى المخلوقين

--> ( 1 ) أخرجه البزار وابن أبي الدنيا وابن عدي والبيهقي والنسائي من حديث ابن عباس . ( 2 ) أخرجه ابن أبي الدنيا في التقوى عن سهل بن سعد بسند ضعيف ( الجامع الصغير ) . ( 3 ) أخرجه ابن ماجة تحت رقم 4186 وقوله « كظم غيظا » أي حبس نفسه عن اجراء مقتضاه ، و « يمضيه » أي قادر على أن يأتي بمقتضاه وفي المصدر « ينفذه » مكان « يمضيه » ، وأخرجه أبو داود ج 2 ص 548 .