الفيض الكاشاني

266

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

فكيف ترضى لنفسك أن توقّر غيرك وتحقر مولاك فتترك رضاه لرضاهم إلا أن يكون غضبك للَّه وذلك لا يوجب أن تذكر المغضوب عليه بسوء بل ينبغي أن تغضب للَّه على رفقائك إذ ذكروه بالسّوء فإنّهم عصوا ربّك بأفحش الذّنوب وهي الغيبة . وأمّا تنزيه النّفس بنسبة الخيانة إلى الغير حيث تستغني عن ذكر الغير فمعالجته بأن تعرف أنّ التعرّض لمقت الخالق أشدّ من التعرّض لمقت الخلق وأنت بالغيبة متعرّض لسخط اللَّه يقينا ولا تدري أنّك تتخلَّص من سخط الناس أم لا فتخلَّص نفسك في الدّنيا بالتوهّم وتهلك في الآخرة وتخسر حسناتك بالحقيقة وتحصل ذمّ اللَّه لك نقدا وتنتظر دفع ذمّ الخلق نسيئة وهذا غاية الجهل والخذلان . وأمّا عذرك كقولك : إنّي إن أكلت الحرام ففلان يأكله ، وإن قبلت مال السلطان ففلان يقبله ، فهذا جهل لأنّك تعتذر بالاقتداء بمن لا يجوز الاقتداء به فإنّ من خالف أمر اللَّه لا يقتدي به كائنا من كان ولو دخل غيرك النّار وأنت تقدر على أن لا تدخلها لم توافقه ولو وافقته لسفّه عقلك ففيما ذكرته غيبة وزيادة معصية أضفتها إلى ما اعتذرت عنه وسجّلت مع الجمع بين المعصيتين على جهلك وغباوتك وكنت كالشاة تنظر إلى المعزى تردي نفسها من الجبل فهي أيضا تردي نفسها من الجبل ولو كان لها لسان ناطق وصرحت بالعذر وقالت : العنز أكيس منّي وقد أهلكت نفسها فكذلك أنا أفعل لكنت تضحك من جهلها وحالك مثل حالها ثمّ لا تتعجّب ولا تضحك من نفسك . وأمّا قصدك المباهاة وتزكية النفس بزيادة الفضل بأن تقدح في غيرك فينبغي أن تعلم أنّك بما ذكرته أبطلت فضلك عند اللَّه وأنت من اعتقاد الناس فضلك على خطر ، وربّما نقص اعتقادهم فيك إذ عرفوك بثلب الناس ( 1 ) فتكون قد بعت ما عند الخالق يقينا بما عند المخلوقين وهما ، ولو حصل لك من المخلوقين اعتقاد الفضل لكانوا لا يغنون عنك من اللَّه شيئا . وأمّا الغيبة للحسد فهو جمع بين عذابين لأنّك حسدته على نعمة الدّنيا

--> ( 1 ) ثلبه من باب ضرب أي عابه ، لامه ، اغتابه ، سبه ، طرده .