الفيض الكاشاني

58

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

وتكبت العدوّ ، وأمّا الَّتي في السفر فكثرة الزاد وطيبه وبذله لمن كان معك ، وكتمانك على القوم أمرهم بعد مفارقتك إيّاهم ، وكثرة المزاح في غير ما يسخط اللَّه عزّ وجلّ ، ثمّ قال عليه السّلام : والَّذي بعث جدّي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بالحقّ إنّ اللَّه عزّ وجلّ ليرزق العبد على قدر المروّة ، فإنّ المعونة تنزل على قدر المئونة ، وإنّ الصبر ينزل على قدر شدّة البلاء » ( 1 ) . قال أبو حامد : « الثاني أن يختار رفيقا فلا يخرج وحده فالرفيق ثمّ الطريق وليكن رفيقه ممّن يعينه على الدين فيذكَّره إذا نسي ، ويعينه ويساعده إذا ذكر فإنّ المرء على دين خليله ولا يعرف الرّجل إلا برفيقه وقد نهى النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أن يسافر الرّجل وحده وقال : « الثلاثة نفر » ( 2 ) . وقال : « إذا كنتم ثلاثة في سفر فأمّروا أحدكم » ( 3 ) « وكانوا يفعلون ذلك ويقولون : هو أمير أمّره رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، وليؤمّروا أحسنهم أخلاقا وأرفقهم بالأصحاب وأسرعهم إلى الإيثار وطلب الموافقة » ( 4 ) وإنّما يحتاج إلى الأمير لأنّ الآراء تختلف في تعيين المنازل والطرق ومصالح السفر ولا نظام إلا في الوحدة ولا فساد إلا من الكثرة ، وإنّما انتظم أمر العالم لأنّ مدبّر العالم واحد « ولو كان فيهما آلهة إلا اللَّه لفسدتا » ومهما كان المدبّر واحدا انتظم التدبير ، وإذا كان كثر المدبّر فسدت الأمور في الحضر والسفر إلا أنّ مواطن الإقاته لا تخلو عن أمير عامّ كأمير البلد أو أمير خاصّ كربّ الدار ، وأمّا السفر فلا يتعيّن له أمير إلا بالتأمير فلهذا وجب التأمير ليجمع شتات الآراء ، ثمّ على الأمير أن لا ينظر إلا لمصلحة القوم وأن يجعل نفسه وقاية لهم كما نقل عن عبد اللَّه المروزي أنّه صحبه أبو عليّ

--> ( 1 ) المصدر ص 230 باب المروة في السفر . ( 2 ) راجع موطأ مالك ج 2 ص 247 ومسند أحمد ج 2 ص 24 و 34 و 86 و 81 . . وفيهما « الثلاثة ركب » ولكن في الفقيه ص 225 كما في المتن . ( 3 ) أخرجه أبو داود ج 2 ص 34 عن أبي هريرة ، والطبراني في الكبير من حديث ابن مسعود بسند حسن كما في المغني . ( 4 ) أخرجه الحاكم ج 1 ص 443 . باختلاف وقال : صحيح على شرط الشيخين .