الفيض الكاشاني

59

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

الرّباطيّ فقال : على أن تكون أنت الأمير أم أنا فقال : بل أنت فلم يزل يحمل الزّاد لنفسه ولأبي عليّ على ظهره فأمطرت السماء ذات ليلة فقام عبد اللَّه طول اللَّيل على رأس رفيقه وفي يده كساء منع منه المطر فكلَّما قال له : اللَّه اللَّه لا تفعل يقول : ألم تقل أنّ الإمارة مسلَّمة لك فلا تحكم عليّ ولا ترجع عن قولك ، حتّى قال أبو عليّ : وددت أنّي متّ ولم أقل له : أنت الأمير ، فهكذا ينبغي أن يكون الأمير ، وقد قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « خير الأصحاب أربعة » ( 1 ) وتخصيص الأربعة من بين سائر الأعداد لا بدّ وأن يكون له فائدة والَّذي ينقدح فيه أنّ المسافر لا يخلو عن رحل يحتاج إلى حفظه ، وعن حاجة يحتاج إلى التردّد فيها ولو كانوا ثلاثة لكان المتردّد في الحاجة واحدا فيتردّد بلا رفيق ، فلا يخلو عن خطر وعن ضيق قلب لفقد أنس الرّفيق ولو تردّد في الحاجة اثنان لكان الحافظ للرّحل وحده فلا يخلو عن الخطر وعن ضيق الصدر فإذن ما دون الأربعة لا يفي بالمقصود وما فوق الأربعة يزيد فلا يجمعهم رابطة واحدة فلا ينعقد بينهم التوافق لأنّ الخامس زيادة بعد الحاجة ومن يستغني عنه لا تصرف الهمّة إليه فلا يتمّ المرافقة معه ، نعم في كثرة الرّفاق فائدة الأمن من المخاوف ولكن الأربعة خير للرفاقة الخاصّة لا للرّفاقة العامّة ، وكم من رفيق في الطريق عند كثرة الرّفاق لا يتكلَّم ولا يخالط إلى آخر الطريق للاستغناء عنه » . أقول : ومن طريق الخاصّة في هذا الباب ما رواه في الفقيه عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أنّه قال : « الرفيق ثمّ السفر » ( 2 ) . وعن الصادق عليه السّلام قال : « قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : ألا أنبّئكم بشرّ الناس ؟ قالوا : بلى يا رسول اللَّه ، قال : من سافر وحده ، ومنع رفده ، وضرب عبده » ( 3 ) . وعن الكاظم عليه السّلام قال : « في وصيّة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لعليّ عليه السّلام : لا تخرج في سفر وحدك ، فإنّ الشيطان مع الواحد ، وهو من الاثنين أبعد ، يا عليّ إنّ

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في السنن ج 2 ص 35 في حديث . ( 2 ) المصدر ص 225 باب كراهة الوحدة في السفر والرفد : النصيب والإعانة ، والعطاء . ( 3 ) المصدر ص 225 باب كراهة الوحدة في السفر والرفد : النصيب والإعانة ، والعطاء .