الفيض الكاشاني

229

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

والولد بضعة من أبيه ، وليس من يضلَّه اللَّه كمن يهديه ، ولا من أذهب عنه الرّجس وطهّره كمن حار في ليل الباطل فهو أبدا فيه ، والكريم يحذو حذو الكريم ، والشرف الحادث دليل على الشرف القديم ، والأصول لا تخيب ، والنجيب ابن النجيب ، وما أشدّ الفرق بين البعيد والقريب ، والأجنبي والنسيب ، فالواحد منهم عليهم السّلام يجمع خلال الجميع ، ويدلّ على أهل بيته دلالة الزهر على الرّبيع ، ولو اقتصرت على ذكر مناقب أحدهم عليهم السّلام لم آل في حقّ الباقين مقصّرا ولناداني لسان الحال اكتف بما ذكرت فدليل على الَّذي لا تراه الَّذي ترى ، نفّعني اللَّه بحبّهم وقد فعل ، وألحقني بتربة أوليائهم ومحبّيهم الأول ، وأوزعني أن أشكر فضله وإن عظم عن الشكر وجلّ . * ( فصل ) * * ( وأما كراماته عليه السّلام ) * فمنها ما رواه في كشف الغمّة ( 1 ) عن أمّ سلمة - رضي اللَّه عنها - قالت : خرج رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم من عندنا ذات ليلة فغاب عنّا طويلا وعاد ، وهو أشعث أغبر ، ويده مضمومة ، فقلت : يا رسول اللَّه مالي أراك أشعث مغبرّا ؟ فقال : أسري بي في هذا الوقت إلى موضع من العراق يقال له : كربلاء فأريت فيه مصرع الحسين ابني ، وجماعة من ولدي وأهل بيتي ، فلم أزل ألقط دماءهم فها هي في يدي ، وبسطها لي فقال : خذيها فاحتفظي بها فأخذتها فإذا هي شبه تراب أحمر فوضعته في قارورة سددت رأسها واحتفظت به ، فلمّا خرج الحسين عليه السّلام من مكَّة متوجّها إلي العراق كنت أخرج القارورة في كلّ يوم فأشمّها وأنظر إليها وأبكي لمصابه ، فلمّا كان اليوم العاشر من المحرّم وهو اليوم الَّذي قتل فيه الحسين عليه السّلام أخرجتها في أوّل النهار وهي بحالها ثمّ عدت إليها في آخر النهار فإذا هي دم عبيط ، فصحت في بيتي وبكيت وكظمت غيظي مخافة أن يسمع أعداؤهم بالمدينة فيسرعوا بالشماتة ، فلم أزل حافظة للوقت واليوم حتّى جاء الناعي ينعاه فحقّق ما رأيت .

--> ( 1 ) المصدر ص 177 .