الفيض الكاشاني
162
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
لا يذمّ أحدا ولا يعيّره ولا يطلب عورته ولا يتكلَّم إلا فيما يرجو ثوابه ، إذا تكلَّم أطرق جلساؤه كأنّما على رؤسهم الطير ، فإذا سكت تكلَّموا ، ولا يتنازعون عنده الحديث ، من تكلَّم أنصتوا له حتّى يفرغ ، حديثهم عنده حديث أوّلهم ، يضحك ممّا يضحكون منه ويتعجّب ممّا يتعجّبون منه ، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته حتّى أن كان أصحابه ليستجلبونهم ويقول : إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فارفدوه ، ولا يقبل الثناء إلا عن مكافي [ 1 ] ولا يقطع على أحد حديثه حتّى يجوز فيقطعه بانتهاء أو قيام . قال : قلت : كيف كان سكوته ؟ قال : كان سكوت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم على أربعة على الحلم والحذر والتقدير والتفكَّر ، فأمّا تقديره ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس ، وأمّا تفكَّره فيما يبقى ويفنى ، وجمع له الحلم والصبر فكان لا يغضبه شيء ولا يستفزّه ، وجمع له الحذر في أربعة : أخذه بالحسن ليقتدى به ، وتركه القبيح ليتناهى عنه ، واجتهاده للرأي فيما أصلح أمّته ، والقيام فيما جمع لهم خير الدّنيا والآخرة » . وفي المكارم أيضا عن الصادق عليه السّلام قال : « إنّي لأكره للرّجل أن يموت وقد بقيت خلَّة من خلال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لم يأت بها » ( 1 ) . * ( بيان معجزاته وآياته الدالَّة على صدقه ) * اعلم أنّ من شاهد أحواله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أو أصغى إلى استماع أخباره المشتملة على أخلاقه وأفعاله وأحواله وعاداته وسجاياه وسياسته لأصناف الخلق وهدايته إلى ضبطهم ، وتألَّفه أصناف الخلق وقوده إيّاهم إلى طاعته مع ما يحكى من عجائب أجوبته في مضايق الأسئلة ، وبدايع تدبيراته في مصالح الخلق ، ومحاسن إشاراته في تفصيل ظاهر الشرع الَّتي يعجز الفقهاء والعقلاء عن إدراك أوائل دقائقها في طول
--> ( 1 ) المصدر ص 41 آخر الباب الأول . [ 1 ] معناه من صح عنده اسلامه حسن موقع ثنائه عليه عنده ، ومن استشعر منه نفاقا وضعفا في ديانته ألقى ثناءه عليه ولم يبال به ( كذا في المعاني للصدوق ) .