الفيض الكاشاني
163
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
أعمارهم لم يبق له ريب ولا شكّ في أنّ ذلك لم يكن مكتسبا بحيلة يقوم بها القوّة البشريّة ، بل لا يتصوّر ذلك إلا بالاستمداد من تأييد سماويّ وقوّة إلهيّة وإنّ ذلك كلَّه لا يتصوّر لكذّاب ولا ملبّس ، بل كانت شمائله وأحواله شواهد قاطعة بصدقه حتّى أنّ العربيّ القحّ كان يراه فيقول : واللَّه ما هذا وجه كذّاب وكان يشهد له بالصدق بمجرّد رؤية شمائله فكيف بمن شاهد أخلاقه ومارس أحواله في جميع مصادره وموارده ، وإنّما أوردنا بعض أخلاقه لتعرف محاسن الأخلاق ويتنبّه لصدقه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وعلوّ منصبه ومكانته العظيمة عند اللَّه ، إذا آتاه اللَّه جميع ذلك وهو رجل أمّيّ لم يمارس العلم ولم يطالع الكتب ولم يسافر قطَّ في طلب علم ولم يزل بين أظهر الجهّال من الأعراب يتيما ضعيفا مستضعفا ، فمن أين له من محاسن الأخلاق والآداب ومعرفة مصالح الفقه مثلا دون غيره من العلوم فضلا عن معرفته باللَّه وملائكته وكتبه ورسله وغير ذلك من خواصّ النبوّة لولا صريح الوحي ؟ فمن أين للبشر الاستقلال بذلك ؟ . أقول : هذا الكلام يؤذن بما اشتهر بين العامّة من أنّ نبيّنا صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم كان أمّيّا بمعنى أنّه لا يحسن القراءة والكتابة ، والمرويّ عن أهل البيت عليهم السّلام خلاف ذلك فقد روى محمّد بن الحسن الصفّار - رحمه اللَّه - في بصائر الدّرجات بإسناده عن عبد الرحمن بن الحجّاج قال : قال أبو عبد اللَّه عليه السّلام : إنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم كان يقرأ ويكتب ويقرأ ما لم يكتب » ( 1 ) . وبإسناده عن جعفر بن محمّد الصوفيّ قال : سألت أبا جعفر محمّد بن عليّ الرّضا عليهما السّلام وقلت له : يا ابن رسول اللَّه لم سمّي النبيّ الأمّيّ ؟ قال : ما يقول الناس ؟ قلت : يزعمون أنّما سمّي النبيّ الأمّيّ لأنّه لم يكتب فقال : كذبوا عليهم لعنة اللَّه أنّى يكون ذلك واللَّه تبارك وتعالى يقول في محكم كتابه : « هو الَّذي بعث في الأمّيّين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكَّيهم ويعلَّمهم الكتاب والحكمة » فكيف يعلَّمهم ما لا يحسن واللَّه لقد كان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يقرأ ويكتب باثنين وسبعين أو بثلاثة
--> ( 1 ) المصدر ص 62 .