الفيض الكاشاني
43
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
لا بدّ وأن تكون معلومة وأن تكون مقصودة ، ثمّ لا يطول حضورها في النفس في لحظة واحدة وإنّما يطول نظم الألفاظ الدالَّة عليها إمّا تلفّظا باللَّسان وإمّا تفكَّرا بالقلب فمن لم يفهم نيّة الصلاة على هذا الوجه فكأنّه لم يفهم النيّة فليس فيه إلا أنّك دعيت إلى أن تصلَّي في وقت فأجبت وقمت فالوسوسة محض الجهل فإنّ هذه القصود وهذه العلوم تجتمع في النفس في حالة واحدة ولا تكون مفصّلة الآحاد في الذهن بحيث تطالعها النفس وتتأمّلها وفرق بين حضور الشيء في النفس وبين تفصيله بالفكر والحضور مضادّ للغروب وللغفلة وإن لم يكن مفصّلا فإنّ من علم الحادث مثلا فيعلمه بعلم واحد في حالة واحدة وهذا العلم يتضمّن علوما هي حاضرة وإن لم تكن مفصّلة ، وإنّ من علم الحادث فقد علم الموجود والمعدوم ، والتقدّم والتأخّر والزمان ، وأنّ التقدّم للعدم وأنّ التأخّر للوجود فهذه العلوم منطوية تحت العلم بالحادث بدليل أنّ العالم بالحادث إذا لم يعلم غيره لو قيل له : هل علمت التقدّم قطَّ أو التأخّر أو العدم أو تقدّم العدم أو تأخّر الوجود أو الزمان المنقسم إلى المتقدّم والمتأخّر ؟ فقال : ما عرفته قطَّ كان كاذبا وكان قوله مناقضا لقوله : إنّي أعلم الحادث ومن الجهل بهذه الدقيقة يثور الوسواس ، فإنّ الموسوس يكلَّف نفسه أن يحضر في قلبه الظهريّة والأدائيّة والفرضيّة في حالة واحدة فيفصّلها بألفاظها وهو يطالعها وذلك محال ولو كلَّف نفسه ذلك في القيام لأجل العالم لتعذّر عليه فبهذه المعرفة يندفع الوسواس ، وهو أن يعلم أنّ امتثال أمر اللَّه في النيّة كامتثال أمر غيره ثمّ أزيد عليه على سبيل التسهيل والرخصة ، وأقول : لو لم يفهم الموسوس النيّة إلا بإحضار هذه الأمور مفصّلة ولم يتمثّل في نفسه الامتثال دفعة واحدة فأحضر جملة ذلك في أثناء التكبير من أوّله إلى آخره بحيث لم يفرغ من التكبير إلا وقد حصلت النيّة كفاه ذلك ولا يكلَّفه أن يقرن الجميع بأوّل التكبير أو آخره فإنّ ذلك تكليف شطط ولو كان مأمورا به لوقع للأوّلين سؤال عنه ولوسوس واحد من الصحابة في النيّة فعدم وقوع ذلك دليل على أنّ الأمر على التساهل فكيف ما تيسّرت النيّة للموسوس ينبغي أن يقنع به حتّى يتعوّد ذلك ويفارقه الوسوسة ولا يطالب نفسه بتحقيق ذلك فانّ التحقيق يزيد فيه .