الفيض الكاشاني
280
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالَّذين لم يلحقوا بهم ( 1 ) » ولأجل شرف ذكر اللَّه تعالى عظمت رتبة الشهادة ، لأنّ المطلوب الخاتمة ونعني بالخاتمة وداع الدّنيا والقدوم على اللَّه والقلب مستغرق باللَّه منقطع العلائق عن غيره ، وإن قدر عبد على أن يجعل همّه مستغرقا باللَّه فلا يقدر على أن يموت على تلك الحالة إلا في صفّ القتال فإنّه قطع الطمع عن مهجته وأهله وماله وولده بل من الدّنيا كلَّها فإنّه يريدها لحياته وقد هوّن على قلبه حياته في حبّ اللَّه وطلب مرضاته ، فلا تجرّد للَّه أعظم من ذلك في الشرع ، ولذلك عظم أمر الشهادة وورد فيه من الفضائل ما لا يحصى ، من ذلك أنّه لمّا استشهد عبد اللَّه الأنصاريّ يوم أحد قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لجابر : « ألا أبشّرك يا جابر ؟ قال : بلى يا رسول اللَّه بشّرك اللَّه بالخير ، قال : إنّ اللَّه سبحانه أحيى أباك فأقعده بين يديه وليس بينه وبينه ستر فقال تعالى : تمنّ عليّ يا عبدي ما شئت أعطكه ، فقال : يا ربّ تردّني إلى الدّنيا حتّى اقتل فيك وفي نبيّك مرّة أخرى قال اللَّه تعالى : سبق القضاء منّي بأنّهم إليها لا يرجعون » ( 2 ) . ثمّ القتل سبب الخاتمة على مثل هذه الحالة فإنّه لو لم يقتل وبقي مدّة ربما عادت شهوات الدّنيا وغلبت ما استولى على قلبه من ذكر اللَّه تعالى ولهذا عظم خوف أهل المعرفة من الخاتمة فإنّ القلب وإن الزم ذكر اللَّه فهو متقلَّب لا يخلو عن الالتفات إلى شهوات الدّنيا ولا ينفكّ عن فترة تعتريه فإذا تمثّل في آخر الحال في قلبه أمر من الدّنيا واستولى عليه وارتحل عن الدّنيا والحالة هذه فيوشك أن يبقى استيلاؤه عليه فتحنّ بعد الموت إليه ويتمنّى الرجوع إلى الدّنيا وذلك لقلَّة حظَّه في الآخرة إذ يموت المرء على ما عاش عليه ويحشر على ما مات عليه ، وأسلم الأحوال عن هذا الخطر خاتمة الشهادة إذا لم يكن قصد الشهيد نيل مال أو أن يقال شجاع أو غير ذلك كما ورد به الخبر ، بل حبّ اللَّه تعالى وإعلاء كلمته فهذه الحالة هي الَّتي عبّر عنها بقوله تعالى : « إنَّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنّة » ( 3 ) ومثل هذا الشخص هو البايع للدّنيا بالآخرة وحال
--> ( 1 ) آل عمران : 169 و 170 . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة تحت رقم 190 . ( 3 ) التوبة : 112 .