الفيض الكاشاني

246

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

ولكلامي وأنت معرض عنّي ، دع عنك كلامي إن لم تنب إليّ ، ومثال العاصي إذا قرأ القرآن وكرّره مثال من يكرّر كتاب الملك كلّ يوم مرّات وقد كتب إليه في عمارة مملكته وهو مشغول بتخريبها ومقتصر على دراسة كتابه فلعلَّه لو ترك الدّراسة عند المخالفة لكان أبعد عن الاستهزاء واستحقاق المقت ، ولذلك قال يوسف بن أسباط : إنّي لأهمّ بقراءة القرآن وإذا ذكرت ما فيه خشيت المقت فأعدل إلى التسبيح والاستغفار ، والمعرض عن العمل به أريد بقوله تعالى : « فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون » ( 1 ) ولذلك قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « اقرؤا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم ولانت له جلودكم فإذا اختلفتم فلستم تقرؤنه » وفي بعضها « فإذا اختلفتم فقوموا عنه » ( 2 ) وقال تعالى : « الَّذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربّهم يتوكَّلون » ( 3 ) وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّ أحسن الناس صوتا بالقرآن الَّذي إذا سمعته يقرء أريت أنّه يخشى اللَّه عزّ وجلّ ( 4 ) » وقال : أيضا : « لا يسمع القرآن من أحد أشهى منه ممّن يخشى اللَّه تعالى ( 5 ) » . فالقرآن إنّما يراد لاستجلاب هذه الأحوال إلى القلب وللعمل به وإلا فالمؤونة في تحريك اللَّسان بحروفه خفيفة ولذلك قال بعض القرّاء : قرأت القرآن على شيخ لي ثمّ رجعت لأقرأ ثانيا فانتهرني وقال : جعلت القراءة عليّ عملا اذهب فاقرء على اللَّه عزّ وجلّ فانظر بما ذا يأمرك وعمّا ذا ينهاك وما ذا يفهمك ، ولهذا كان شغل الصحابة في الأحوال والأعمال ، فمات رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم عن عشرين ألفا من الصحابة لم يحفظ القرآن منهم إلا ستّة اختلف منهم في اثنين وكان أكثرهم يحفظ السورة والسورتين ، وكان الَّذي يحفظ البقرة والأنعام من علمائهم ، ولما جاء واحد ليتعلَّم القرآن وانتهى إلى قوله :

--> ( 1 ) آل عمران : 187 . ( 2 ) أخرجه البخاري ج 6 ص 244 ، والدارمي ج 2 ص 241 . ( 3 ) الأنفال : 3 . ( 4 ) رواه الدارمي ج 2 ص 471 عن مسعر عن عبد الكريم بلفظ آخر . ( 5 ) قال العراقي : رواه أبو عبد اللَّه الحاكم فيما ذكره أبو القاسم الغافقي في كتاب فضائل القرآن .