الفيض الكاشاني
247
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
« فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره . ومن يعمل مثقال ذرّة شرّا يره ( 1 ) » فقال : يكفيني هذا وانصرف فقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : انصرف الرّجل وهو فقيه ( 2 ) » فإنّما العزيز مثل تلك الحالة الَّتي يمنّ اللَّه بها على القلب عقيب فهم الآية فأمّا مجرّد حركة اللَّسان فقليل الجدوى بل التالي باللَّسان المعرض عن العمل جدير بأن يكون هو المراد بقوله : « ومن أعرض عن ذكري فإنَّ له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى » ( 3 ) وبقوله تعالى : « كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى » ( 4 ) أي تركتها ولم تنظر إليها ولم تعبأ بها فإنّ المقصرّ في الأمر يقال : إنّه نسي الأمر ، وتلاوة القرآن حقّ تلاوته أن يشترك فيه اللَّسان والعقل والقلب فحظَّ اللَّسان تصحيح الحروف بالترتيل ، وحظَّ العقل تفسير المعاني ، وحظ القلب الاتّعاظ والتأثّر بالانزجار والائتمار ، فاللَّسان واعظ والعقل مترجم والقلب متّعظ . التاسع الترقيّ وأعني به أن يترقّى إلى أن يسمع الكلام من اللَّه تعالى لا من نفسه فدرجات القراءة ثلاث أدناها أن يقدّر العبد كأنّه يقرؤه على اللَّه تعالى واقفا بين يديه وهو ناظر إليه ومستمع منه ، فيكون حاله عند هذا التقدير السؤال والتملَّق والتضرّع والابتهال ، الثانية أن يشهد بقلبه كأنّ ربّه يخاطبه بألطافه ويناجيه بإنعامه وإحسانه ، فمقامه الحياء والتعظيم والإصغاء والفهم ، الثالثة أن يرى في الكلام المتكلَّم وفي الكلمات الصفات فلا ينظر إلى نفسه ، ولا إلى قراءته ، ولا إلى تعلَّق الإنعام به من حيث إنّه منعم عليه ، بل يكون مقصور الهمّ على المتكلَّم موقوف الفكر عليه كأنّه مستغرق بمشاهدة المتكلَّم عن غيره وهذه درجة المقرّبين وما قبله من درجات أصحاب اليمين وما خرج عن هذا فهو درجات الغافلين ، وعن الدرجة العليا أخبر جعفر بن محمّد الصادق عليهما السّلام فقال : « واللَّه لقد تجلَّى اللَّه لخلقه في كلامه ولكن لا يبصرون » ( 5 ) .
--> ( 1 ) الزلزال : 7 و 8 . ( 2 ) رواه الحاكم في المستدرك ج 2 ص 532 بأدنى اختلاف في اللفظ . ( 3 ) طه : 124 . ( 4 ) طه : 126 . ( 5 ) نقله الشهيد في أسرار الصلاة ص 204 .