الفيض الكاشاني
245
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
كلّ أمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا [ 1 ] » رأيت عينيه تذرفان بالدّمع فقال لي حسبك الآن » وهذا لأنّ مشاهدة تلك الحالة استغرقت قلبه بالكلَّيّة ولقد كان في الخائفين من خرّ مغشيّا عليه عند سماع آيات الوعيد ومنهم من مات في سماع الآيات فبمثل هذه الأهوال يخرج عن أن يكون حاكيا في كلامه ، فإذا قال : « إنّي أخاف إن عصيت ربّي عذاب يوم عظيم ( 1 ) فإذا لم يكن خائفا كان حاكيا ، وإذا قال : « عليك توكَّلنا وإليك أنبنا » ( 2 ) ولم يكن حاله التوكَّل والإنابة كان حاكيا ، وإذا قرأ « ولنصبرنّ على ما آذيتمونا » ( 3 ) فليكن حاله الصبر أو العزيمة عليه حتّى يجد حلاوة التلاوة ، فإن لم يكن بهذه الصفات ولم يتردّد قلبه بين هذه الحالات كان حظَّه من التلاوة حركة اللَّسان مع صريح اللَّعن على نفسه في قوله : « ألا لعنة الله على الظالمين » ( 4 ) وفي قوله : « كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون » ( 5 ) وفي قوله : « وهم في غفلة معرضون » ( 6 ) وفي قوله : « فأعرض عمّن تولَّى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدُّنيا » ( 7 ) وفي قوله : « ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون » ( 8 ) إلى غير ذلك وكان داخلا في معنى قوله تعالى : « ومنهم أمّيّون لا يعلمون الكتاب إلا أمانيّ » ( 9 ) يعني التلاوة المجرّدة ، وفي قوله : « وكأيّن من آية في السماوات والأرض يمرّون عليها وهم عنها معرضون » ( 10 ) » ، لأنّ القرآن هو المبيّن لتلك الآيات في السماوات والأرض ، ومهما تجاوزها ولم يتأثّر بها كان معرضا عنها ولذلك قيل : إنّ من لم يكن متّصفا بأخلاق القرآن فإذا قرأ القرآن ناداه تعالى : مالك
--> ( 1 ) الانعام : 15 والزمر : 13 . ( 2 ) الممتحنة : 4 . ( 3 ) إبراهيم : 12 . ( 4 ) هود : 18 . ( 5 ) الصف : 3 . ( 6 ) الأنبياء : 2 . ( 7 ) النجم : 29 . ( 8 ) الحجرات : 11 . ( 9 ) البقرة : 78 . ( 10 ) يوسف : 105 . [ 1 ] الآية في سورة النساء : 40 والخبر أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري والترمذي والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل من طرق عن ابن مسعود وأخرج مثله الحاكم في المستدرك وصححه عن عمرو بن حريث كما في الدر المنثور ج 2 ص 163 .