الفيض الكاشاني
200
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
ركوبه للجمّازة فركوب الجنازة مقطوع به ، وتيسير أسباب السفر مشكوك فيه فكيف يحتاط في أسباب السفر المشكوك فيه ، ويستظهر في زاده وراحلته ويهمل أمر السفر المستيقن . وأما شراء ثوب الإحرام فليتذكَّر عنده الكفن ، ولفّه فيه فإنّه سيرتدي ويتّزر بثوبي الإحرام عند القرب من بيت اللَّه ، وربّما لا يتمّ سفره إليه وأنّه سيلقى اللَّه ملفوفا في ثياب الكفن لا محالة ، فكما لا يلقى بيت اللَّه إلا مخالفا عادته في الزيّ والهيئة فلا يلقى اللَّه بعد الموت إلا في زيّ مخالف لزّي الدّنيا وهذا الثوب قريب من ذلك الثوب ، إذ ليس فيها مخيط كما لا مخيط في الكفن . وأما الخروج من البلد فليعلم أنّه فارق الأهل والوطن متوجّها إلى اللَّه في سفر لا يضاهي أسفار الدّنيا فليحضر في قلبه ما ذا يريد وأين يتوجّه وزيارة من يقصد وأنّه متوجّه إلى ملك الملوك في زمرة الزائرين إليه الَّذين نودوا فأجابوا ، وشوقوا فاشتاقوا ، واستنهضوا فقطعوا العلائق وفارقوا الخلائق وأقبلوا على بيت اللَّه الَّذي فخم أمره وعظم شأنه ورفع قدره تسلَّيا بلقاء البيت عن لقاء ربّ البيت إلى أن يرزقوا منتهى مناهم ، ويسعدوا بالنظر إلى مولاهم ، وليحضر في قلبه رجاء الوصول والقبول لا إدلالا بأعماله في الارتحال ومفارقة الأهل والمال ولكن ثقة بفضل اللَّه ورجاء لتحقيقه وعده لمن زار بيته وليرج أنّه إن لم يصل وأدركته المنيّة في الطريق لقي اللَّه وافدا إليه إذ قال : « ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى اللَّه ورسوله ثمّ يدركه الموت فقد وقع أجره على اللَّه ( 1 ) » . وأما دخول البادية إلى الميقات ومشاهدة تلك العقبات فليتذكَّر فيها ما بين الخروج من الدّنيا بالموت إلى ميقات القيامة وما بينهما من الأهوال والمطالبات وليتذكَّر من هول قطَّاع الطريق هول سؤال منكر ونكير ، ومن سباع البوادي عقارب القبر وديدانه وما فيه من الأفاعي والحيّات ، ومن انفراده عن أهله وأقاربه وحشة القبر وكربته ووحدته وليكن في هذه المخاوف في أعماله وأقواله متزوّدا لمخاوف القبر . وأما الإحرام والتلبية بالميقات فليعلم أنّ معناه إجابة نداء اللَّه فارج أن يكون مقبولا واخش أن يقال لك : لا لبّيك ولا سعديك ، فكن بين الرجاء والخوف متردّدا وعن
--> ( 1 ) النساء : 100 .