الفيض الكاشاني
134
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
فقيل : هو الَّذي يفطر على الحرام ، وقيل : هو الَّذي يمسك عن الطعام الحلال ويفطر على لحوم الناس بالغيبة وهو حرام ، وقيل : هو الَّذي لا يحفظ جوارحه عن الآثام . الخامس أن لا يستكثر من الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلئ فما من وعاء أبغض إلى اللَّه من بطن ملئ من حلال وكيف يستفاد من الصوم قهر عدوّ اللَّه وكسر الشهوة إذا تدارك الصائم عند فطره ما فاته ضحوة نهاره ، وربما يزيد في ألوان الطعام حتّى استمرّت العادات بأن يدّخر جميع الأطعمة لرمضان فيأكل من الأطعمة فيه ما لا يؤكل في عدّة أشهر ، ومعلوم أنّ مقصود الصوم الخوى [ 1 ] وكسر الهوى ليقوي النفس على التقوى ، وإذا دفعت المعدة ضحوة النهار إلى العشاء حتّى هاجت شهوتها وقويت رغبتها ثمّ أطعمت من اللَّذات وأشبعت زادت لذّتها ، وتضاعفت قوّتها ، وانبعث من الشهوات ما عساها كانت راكدة لو تركت على عادتها ، فروح الصوم وسرّه تضعيف القوى الَّتي هي وسائل الشيطان في القود إلى الشرور ولن يحصل ذلك إلا بالتقليل وهو أن يأكل أكلة الَّتي كان يأكلها كلّ ليلة لو لم يصم ، وأمّا إذا جمع ما كان يأكل ضحوة إلى ما كان يأكل ليلا فلم ينتفع بصومه ، بل من الآداب أن لا يكثر النوم بالنهار حتّى يحسّ بالجوع والعطش ، ويستشعر ضعف القوى فيصفو عند ذلك قلبه ويستديم في كلّ ليلة قدرا من الضعف حتّى يخفّ عليه تهجّده وأوراده ، فعسى الشيطان لا يحوم على قلبه فينظر إلى ملكوت السماء ، وليلة القدر عبارة عن اللَّيلة الَّتي ينكشف فيها شيء من الملكوت وهو المراد بقوله تعالى : « إنّا أنزلناه في ليلة القدر ( 1 ) » ومن جعل بين قلبه وبين صدره مخلاة من الطعام فهو عنه محجوب ، ومن أخلى معدته فلا يكفيه ذلك لرفع الحجاب حتّى يخلو همّته عن غير اللَّه تعالى وذلك هو الأمر كلَّه ، ومبدء جميع ذلك تقليل الطعام وسيأتي له مزيد بيان في كتاب الأطعمة إن شاء اللَّه . السادس أن يكون قلبه بعد الإفطار معلَّقا مضطربا بين الخوف والرجاء إذ ليس يدري أيقبل صومه فهو من المقرّ بين أو يردّ عليه فهو من الممقوتين ، وليكن كذلك في آخر
--> ( 1 ) القدر : 2 . [ 1 ] الخوى - بفتح المعجمة وفتح الواو مقصورا - والخواء - ممدودا - : خلو الجوف من الطعام .