الفيض الكاشاني

135

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

كلّ عبادة يفرغ منها ، فقد روي عن الحسن بن أبي الحسن أنّه مرّ بقوم يوم العيد وهم يضحكون فقال : « إنّ اللَّه عزّ وجلّ جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه ، يستبقون فيه لطاعته ، فسبق أقوام ففازوا ، وتخلَّف أقوام فخابوا ، فالعجب كلّ العجب للضاحك اللاعب في اليوم الَّذي فاز فيه المسارعون وخاب فيه المبطلون ، أما واللَّه لو قد كشف الغطاء لاشتغل المحسن بإحسانه والمسيء عن إساءته » أي كان سرور المقبول يشغله عن اللَّعب ، وحسرة المردود تسدّ عليه باب الضحك » . أقول : وهذا الخبر رواه في الفقيه ( 1 ) في كتاب الصلاة عن الحسن بن عليّ عليهما السّلام ، وفي كتاب الصوم ( 2 ) عن الحسين بن عليّ عليهما السّلام بأدنى تغيير في اللَّفظ . قال أبو حامد : « فهذه هي المعاني الباطنة في الصوم . * ( فصل ) * فإن قلت : فمن اقتصر على كفّ شهوة البطن والفرج وترك هذه المعاني فقد قال الفقهاء : صومه صحيح فما معناه ؟ فاعلم أنّ فقهاء الظاهر يثبتون شروطه الظاهرة بأدلَّة هي أضعف من هذه الأدلَّة الَّتي أوردناها في هذه الشروط الباطنة لا سيّما الغيبة وأمثالها ، ولكن ليس إلى فقهاء الظاهر من التكليفات إلا ما يتيسّر على عموم الغافلين المقبلين على الدنيا الدخول تحته ، فأمّا علماء الآخرة فيعنون بالصحّة القبول وبالقبول الوصول إلى المقصود ويفهمون أنّ المقصود من الصوم التخلَّق بخلق من أخلاق اللَّه تعالى ، وهو الصمديّة والاقتداء بالملائكة في الكفّ عن الشهوات بحسب الإمكان ، فإنّهم منزّهون عن الشهوات ، والإنسان رتبته فوق رتبة البهائم لقدرته بنور العقل على كسر شهوته ، ودون رتبة الملائكة لاستيلاء الشهوات عليه وكونه مبتلى بمجاهدتها ، فكلَّما انهمك في الشهوات انحط إلى

--> ( 1 ) المصدر ص 135 تحت رقم 27 . ( 2 ) المصدر ص 197 تحت رقم 19 .