الفيض الكاشاني
132
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
النفس وشهوة الطبع ، وفيه صفاء القلب وطهارة الجوارح وعمارة الظاهر والباطن والشكر على النعم والإحسان إلى الفقراء وزيادة التضرّع والخشوع والبكاء وحبل الالتجاء إلى اللَّه وسبب انكسار الهمّة وتخفيف الحساب وتضعيف الحسنات ، وفيه من الفوائد مالا يحصى وكفى بما ذكرناه منبّها لمن عقل ووفّق لاستعماله . قال أبو حامد : « وأمّا صوم الخصوص وهو صوم الصالحين فهو كفّ الجوارح عن الآثام وتمامه بستّة أمور : الأوّل غضّ البصر وكفّه عن الاتّساع في النظر إلى كلّ ما يذمّ ويكره ، وإلى كلّ ما يشغل القلب ويلهي عن ذكر اللَّه ، قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « النظرة سهم مسموم من سهام إبليس فمن تركها خوفا من اللَّه آتاه اللَّه إيمانا يجد حلاوته في قلبه ( 1 ) » . وعنه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم « خمس يفطرن الصائم : الكذب والغيبة والنميمة واليمين الكاذبة والنظر بشهوة » ( 2 ) . الثاني حفظ اللَّسان عن الهذيان ، والكذب ، والغيبة ، والنميمة ، والفحش ، والجفاء والخصومة ، والمراء ، وإلزامه السكوت أو شغله بذكر اللَّه وتلاوة القرآن فهذا صوم اللَّسان ، وقد قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّما الصوم جنّة فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل ، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل : إنّي صائم ( 3 ) » وجاء في الخبر ( 4 ) « أنّ امرأتين صامتا على عهد رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فأجهدهما الجوع والعطش من آخر النهار حتّى كادتا أن تتلفا فبعثتا إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم تستأذناه في الإفطار ، فأرسل إليهما قدحا وقال : قل لهما قيئا فيه ما أكلتما ، فقاءت إحداهما نصفه دما عبيطا ولحما غريضا ، وقاءت الأخرى مثل ذلك حتّى ملأتاه ، فعجب الناس من ذلك ، فقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : هاتان صامتا عمّا أحلّ اللَّه لهما وأفطرتا على ما حرّم اللَّه عليهما ، قعدت إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تغتابان
--> ( 1 ) رواه الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد ج 8 ص 63 . ( 2 ) قال العراقي : الحديث أخرجه الأزدي في الضعفاء من رواية جابان . ( 3 ) أخرجه أحمد في المسند ج 2 ص 306 و 313 و 356 وج 6 ص 244 . ( 4 ) رواه أحمد في المسند كما في مجمع الزوائد ج 3 ص 171 .