السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
78
مفاتيح الأصول
بطلان الدعوى الرّابع دعوى العلامة في النهاية والرازي في المحصول الإجماع على أن الأصل في الاستعمال الحقيقة فإنهما قالا في بحث إن المجاز على خلاف الأصل وللإجماع على أن الأصل الحقيقة قال ابن عباس ما كنت أعرف الفاطر حتى اختصم إلي شخصان في بئر فقال أحدهما فطرها أبي أي اخترعها وقال الأصمعي ما كنت أعرف الدّهاق حتى سمعت جارية تقول اسقني دهاقا أي ملآنا فاستدلوا بالاستعمال على الحقيقة ولولا علمهم بأن الأصل هو الحقيقة لما شاع ذلك انتهى ويعضد ما ذكر أمور منها ابن جماعة من الأصوليّين كالفاضل والباغنوي والأبهري وغيرهم قالوا في بحث المشتق أنّه استعمل في الأزمنة الثلاثة والأصل فيه الحقيقة خرج الاستقبال بالاتفاق ومنها تصريح فخر المحققين بأنهم استدلوا كثيرا على كون اللفظ حقيقة بالاستعمال ومنها تصريح العلامة في التهذيب والسيّد عميد الدين في المنية والرازي في المحصول والبيضاوي في المنهاج بأن المجاز خلاف الأصل وقد صرح السيّد للمشار إليه بأن محلّ البحث يندرج تحت هذه العبارة فقال اعلم أن قولنا المجاز على خلاف الأصل يفهم منه معنيان أحدهما أن اللفظ إذا أطلق وتجرد عن القرائن كان اعتقاد السامع إرادة حقيقته منه أرجح من اعتقاد إرادة مجازه وثانيهما أنا إذا رأينا لفظا معيّنا مستعملا في معنى معيّن كان اعتقادنا كونه حقيقة في ذلك المعنى أرجح من اعتقادنا كونه مجازا فيه والفرق بين هذين المعنيين ظاهر فإن المعنى الموضوع له في الأول معلوم وإنما الاحتمال في أن المراد من ذلك اللفظ هل هو ذلك المعنى أو معنى آخر يناسب له وفي الثاني المراد من اللفظ معلوم والاحتمال أنّما هو في كونه موضوعا له أو لما يناسبه ومنها تصريح جمال الدّين الخونساري بشهرة أن الأصل في الاستعمال الحقيقة عندهم فقال كون الأصل في الإطلاق الحقيقة وإن كان مشهورا وفي كتبهم مذكورا إلَّا أن ظني أن هذا الأصل ليس له أصل يبقى الاعتماد عليه ولا يحصل منه ظن يمكن الاستناد إليه كيف وإنهم صرّحوا بأن المجاز أكثر اللغة وأطبقوا على أنّه أبلغ من الحقيقة فكيف يحصل بمجرد استعمال اللفظ في معنى الظن بأنه معنى حقيقي الخامس ما تمسك به في النهاية والتهذيب والمحصول والمنهاج وغاية السؤال على أن المجاز خلاف الأصل فقالوا إن المجاز يتوقف على وضع سابق ونقل وعلاقة والحقيقة يتوقف على الأوّل لا غير وكل ما كان أقل شرطا كان أقل معاندا وأكثر وقوعا فيكون أرجح السادس أن الاستعمال وإن وجد في الحقيقة والمجاز ولكن وجوده في الأول أكثر فيجب في مورد الشك إلحاق المشكوك فيه بالغالب ولذا اتفقوا على أن اللفظ المعلوم حقيقته ومجازه يجب حمله على الحقيقة حيث لم يظهر قرينة المجاز وفي جميع الوجوه المذكورة نظر أما الأوّل فلما ذكره السيّد الأستاذ رحمه الله فقال بعد الإشارة إليه وجوابه أنا إنما قطعنا بالحقيقة إذا استعمل اللفظ في المعنى الواحد لكونه مستعملا في المعنى الواحد فلا يصح قياس المتعدد عليه لعدم اطراد العلة الموجبة للحكم نعم لو كان القطع بها في اللفظ المستعمل في المعنى الواحد لكونه مستعملا اطردت العلة في المتعدد وصح قياسه على الواحد لكن ذلك ممنوع فإنا لا نقول بدلالة الاستعمال بنفسه على الحقيقة على وجه الاستقلال بحيث لا يكون لاتحاد المعنى دخل في الدلالة وإنما المسلم دلالته بشرط الوحدة أو عدم ظهور التعدد وهذه لا تقتضي الدلالة مع العلم بالتعدد كما هو واضح وبالجملة فإن أراد أنا نقطع بالحقيقة في المستعمل في المعنى الواحد بنفس الاستعمال لا الوحدة منعنا ذلك إذ ربما كان للاتحاد تأثير في الدلالة وإن أراد أنا نقطع بواسطة الاستعمال مع الوحدة لم يصح قياس المتعدد على المتحد لفوات جزء العلة في المقيس فينتفي المعلول فيه فإن قيل متى سلمتم دلالة الاستعمال على الحقيقة لزمكم القول باستقلاله في الدلالة فإن الحكم بدلالة الاستعمال ليس إلَّا لما سبق من أن اللغات إنما تعرف باستعمال أهلها وأن من لم يعرف اللغة متى رأى أهل اللغة يستعملون اللفظ في معنى يرجح عنده أنه حقيقة له موضوع بإزائه وهذا إن صح اقتضى ثبوت الدلالة في المتحد والمتعدد وإلَّا اقتضى انتفاءها فيهما ولما كانت الدلالة في صورة الاتحاد ثابتة باعتراف الخصم لزم ثبوتها مع المتعدد لاطراد العلة المقتضية للحكم قلنا لا نسلَّم أن دلالة الاستعمال على الحقيقة يقتضي استقلاله في الدلالة قوله الحكم بدلالة الاستعمال ليس إلَّا لما سبق قلنا مسلم لكنا قد وجد الناس أنما يعرفون الحقيقة بالاستعمال مع اتحاد المعنى لا مطلقا فإن المشاهد من أحوالهم والمعلوم من عاداتهم أنهم متى وجدوا اللفظ يطلق في اللغة على معنى لا يستعمل في غيره إنهم يعتقدون الوضع ويقطعون بالحقيقة من دون شك في ذلك ولا ارتياب وأما إذا ثبت عندهم للفظ حقيقة ووضع معلوم ووجدوه مستعملا في غيره فإنا نجدهم هنا يتوقفون عن الحكم بالوضع ولا يقطعون به إلَّا بدليل منفصل عن الاستعمال ولذا ترى أن أهل اللغة يثبتون لأكثر الألفاظ في كتبهم معاني متعددة ولا يقطعون بالوضع إلَّا في بعضها ولو كان مجرد الاستعمال عندهم دليلا على الوضع من غير فرق بين المتحد والمتعدد لوجب أن يقطعوا بالاشتراك في أكثر الألفاظ والمعلوم من تصريحاتهم وتلويحاتهم خلاف ذلك والقول بأنهم عرفوا أن تلك المعاني الكثيرة مجازات بنص أو أمارة أوجب لهم العدول عما هو الأصل بعيد جدّا سيّما إذا اشترطنا في التجوز العلم الضروري بالمجاز ولم نعتبر في دلالة الاستعمال على الحقيقة في المعاني المتعددة تفاوت الاستعمالات على ما صرّح به السيّد رحمه الله فإنا نقطع بانتفاء العلم