السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
79
مفاتيح الأصول
في تلك المعاني بأسرها غاية الأمر أن يكون كيفية الاستعمال مختلفة وذلك لا يوجب القطع بالمجاز ولا يؤثر في الدلالة على الحقيقة وأيضا فإن الفقهاء والأصوليين اتفقوا على أن استعمال اللفظ في المعنى الواحد دليل الحقيقة بخلاف استعماله في المتعدد فإنهم كما ترى مختلفون في ذلك والأكثرون منهم على نفي الدلالة ولو كان مجرد الاستعمال في العرف والعادة دليلا على الوضع في المتعدد كما أنه دليل في الواحد لاتفقوا على الدلالة في المتعدد كما اتفقوا على الدلالة في الواحد ولارتفع الخلاف عن المسألة فإن مثل هذا الأمر الذي يرجع إلى دلالة العرف والعادة لا يكاد يشتبه على هؤلاء الفحول خصوصا مع وضوح الدلالة وظهورها كما يدعيه الخصم ويبالغ فيه فإن الأمر الذي هو بهذه المثابة من الوضوح والظهور لا يكاد يخفى على الأكثر هذا الخفاء فإن قيل أي فرق بين استعمال اللفظ في المعنى الواحد واستعماله في المتعدد حتى صارت الدلالة في الأوّل محققة ثابتة مسلمة عند الجميع بخلاف الثاني وما تأثير الاتحاد في ذلك قلنا الفرق بين الأمرين أن اللفظ إذا كان بحيث لا يستعمل إلا في معنى واحد بحيث متى أطلق فهم ذلك المعنى لتحقق الارتباط الموجب للفهم بواسطة الانحصار فيكون حقيقة فيه إذ لا نعني بالحقيقة إلا ما يتبادر من اللفظ عند التجرد عن القرائن ولا كذلك اللفظ المستعمل في معان متعددة لانتفاء الحصر المقتضي للارتباط بينها وبين اللفظ وأيضا لما كان من الأمر الواضح في الأذهان لكل لفظ من الألفاظ المستعملة معنى وضع له ذلك اللفظ وأن ذلك المعنى هو المعنى الذي يراد من اللفظ عند الإطلاق والتجرد عن الصوارف فمتى استعمل لفظ في معنى ولم يستعمل في غيره كان ظاهر ذلك الاستعمال أن ذلك المعنى هو المعنى الذي وضع اللفظ بإزائه وأما إذا كان اللفظ مستعملا في معان متعددة فإنما يعلم بالاستعمال كونه حقيقة فيها في الجملة وأما أنه حقيقة في الجميع فلا يعلم من ذلك قطعا فإن الاشتراك ليس من لوازم الاستعمال بخلاف الوضع الواحد كما هو واضح فإن قيل هذان إنما يستقيمان على تقدير العلم باتحاد معنى اللفظ وأما بدونه كما إذا استعمل لفظ في معنى ولم يعلم الاختصاص به فلا يصح فيه ذلك لاحتمال تعدد المانع عن القطع بالوضع على ما ذكرتم مع أن الظاهر أن الاستعمال في مثله دليل الحقيقة أيضا كما اعترفتم به فيما سبق كيف والعلم بانحصار المعنى في واحد بعيد الحصول جدّا في الألفاظ التي يحسن فيها البحث والنظر وقصر الحكم عليه يقتضي التخصيص بالأمر النادر بل سقوط الفائدة فيما تقرر من الأصل قلنا المعلوم من طريقة الناس أنهم متى وجدوا اللفظ يستعمل في معنى فإنهم يثبتون الأمر على الاتحاد ويجرون عليه حكم المتحد المعلوم اتحاده في الاستعمال والحمل في عدم التزامهم نصب القرينة وعدم توقفهم في فهم المقصود على ورودها وذلك إما لأصل ما رسخ في أذهانهم من البناء على عدم الحادث وبقاء الثابت إلى أن يعلم خلافه على ما يقتضيه تعلق الأصوليين بطريق العرف والعادة في حجية الاستصحاب أو لما عرفوا من ابتناء أمر اللغة وأساسها على اتحاد معاني الألفاظ دون تعددها أو لحصول الظن لهم باتحاد المعنى نظرا إلى غلبة الانفراد في اللغة على الاشتراك وإذا كان طريقة الناس في الألفاظ على ما وصفناه من البناء على الاتحاد فيها إلى أن يتبين الخلاف صح الحكم بدلالة الاستعمال على الحقيقة ما لم يظهر التعدد وعلم أن الاحتمال أنما لم يقدح في الدلالة لعدم الاعتداد به وثبوت الاتحاد معه لا لحصول الدلالة مع التعدد كما ظنّ وأمّا الثاني فلما ذكره السيّد الأستاذ رحمه الله أيضا فقال بعد الإشارة إليه ويتوجه عليه أن ما ذكره رحمه الله من أن الأصل هنا الحقيقة له معنيان أحدهما أن الأصل فيما وضع له اللفظ ولم يعلم أنه مراد في الاستعمال أن يكون مرادا منه إلى أن يصرف عنه صارف وثانيهما أن الأصل فيما أريد من اللفظ ولم يعلم أنه حقيقة فيه أو مجاز أن يكون حقيقة فيه إلى أن يدلّ دليل على خلاف ذلك وأن للأصل بالمعنى الثاني مقامين الأول أن يكون المعنى الذي يحتمل كون اللفظ حقيقة فيه معنى واحد والثاني أن يكون ذلك متعددا وقد عرفت أن أصل الحقيقة بالمعنى الأول ثابت ولا نزاع فيه وكذا الأصل بالمعنى الثاني في المقام الأول وأنه في المقام الثاني محلّ خلاف معروف وموضع نزاع مشهور فإن أراد بالأصل في كلامه المعنى الأوّل أو الثاني مع اتحاد المعنى سلمنا ذلك ولا يجد نفعا في إثبات الاشتراك كما هو المقصود وإلا منعنا صحة الأصل المذكور لوقوع الخلاف فيه وفقد الدليل عليه قوله بدلالة أن اللفظ قد يكون لها حقيقة ولا مجاز لها ولا يمكن أن يكون مجاز لا حقيقة له في اللغة قلنا ذلك غير مسلم لجواز أن يوضع اللفظ لمعنى ولا يستعمل فيه بل فيما يناسبه مجازا فإنا لم نجد مانعا من عقل أو نقل يمنع من ذلك ومن ثم ذهب أكثر المتأخرين إلى أن المجاز الذي لا حقيقة له أمر جائز لا امتناع فيه قال الشيخ في العدة وليس لهم أي لمن ادعى أن ظاهر الاستعمال هو الحقيقة أن يقولوا إن المجاز طار والحقيقة هي الأصل بدلالة أنه يجوز أن يكون حقيقة لا مجاز لها ولا يجوز أن يكون مجاز لا حقيقة له فعلم بذلك أن أصل الاستعمال الحقيقة وذلك أن الذي ذكروه غير مسلم لأنه