السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
70
مفاتيح الأصول
الكتابة دون غيره وأما ثالثا فللمنع من انتفاء الصّارف وعدم علمنا به لا يستلزم عدمه بالنّسبة إلى غيرنا فلعلّ المحتاج إلى الوضع حصل له مانع واقعي أو باعتقاده فمنعه عن الوضع لا يقال الأصل عدم الصّارف لأنا نقول هو معارض بأصالة عدم الوضع له سلَّمنا خلَّوه عن المعارض ولكن في التّمسك به في المقام إشكال وثانيا بمنع الكبرى إذ لا دليل على أنّ كلّ ما يجب على القادر المختار يلزم وقوعه كيف وصدور القبيح عن العقلاء كثير لا يقال ليس المقصود أنّه يجب الوضع لهذه المعاني على البشر بل على اللَّه تعالى من باب اللَّطف والوجوب عليه تعالى مستلزم للوقوع لأنه تعالى منزّه عن القبائح لأنّا نقول ذلك مسلم لو لم يقدر البشر على الوضع وأما مع قدرتهم عليه فلا يجب عليه تعالى وإن وجدت القدرة والدّاعي وانتفي الصّارف والقول بأن الواضع هو اللَّه تعالى على تقدير تسليمه ليس قولا يمنع القدرة من البشر على الوضع ويجوز أن يكون مراد القائل به أنّ الألفاظ الموضوعة واضعها هو اللَّه لا أنّ البشر غير قادر على الوضع لا يقال إذا اجتمعت الثّلاثة كان الوضع لازم الوقوع إلجاء لأنا نقول على هذا يلزم أن يكون الواضع في وضعه للمعاني الَّتي تشتدّ الحاجة إليها مضطرا وهو باطل بديهة وأمّا الثّاني فبأن الممتنع العادي لا يجوز وقوعه أصلا وهنا قد وقع فإن كثيرا من المعاني المبحوث عنها لم يوضع لها ألفاظ وإنّما يعبّر عنها بالمجاز وغيره وذلك نحو الفعل الحالي والاعتماد سفلا وعلوا ورائحة الورد وماء الورد والخلاف وكثير من المياه المضافة فإنّها لم يوضع لها ألفاظ تدلّ عليها مع شدّة الحاجة إليها لا يقال نمنع من كون المذكورات من المعاني المفروضة كما صرّح به قاضي القضاة لأنّا نقول هذا باطل جدا كما صرّح به أبو الحسين فيما حكي عنه ولا يقال لا نسلَّم عدم الوضع للمذكورات فإنّ الألفاظ المذكورة دالَّة عليها فإنّ الإضافة والقيود من جملة الأوضاع المعرفة لأنّا نقول ليست هذه الألفاظ موضوعة للمعاني المقصودة فإنّ تلك المعاني تلحظ إفرادا وهذه الألفاظ تدلّ على تلك المفردات مع إضافة وهي ليست مقصودة وبالجملة الألفاظ الدالَّة على الجنس والفصل وإن كانت تدلّ على المركب منهما لكن لا دلالة وضعيّة وإلَّا لكان لفظ الإنسان والحيوان النّاطق من الألفاظ المترادفة وهو باطل ومع هذا فإطلاق الماء على الماء المضاف مجاز ولا يمكن أن يدعى أنّ لفظ ماء الورد مثلا صار علما جنسيّا لمدلوله كعبد اللَّه الَّذي هو علم شخصيّ لمدلوله لأنّ ذلك باطل فإنّ شرط المفرد أن لا يدلّ جزء لفظه على جزء معناه وهنا يدلّ كلّ من اللَّفظين على جزء المعنى وأمّا الثالث فباحتمال أن يكون السّبب غير شدّة الحاجة أو هي مع غيرها وعدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود وأمّا الرّابع فبأن عدم العدول إلى الأصعب أنّما يدعى حيث لم يشمل الأصعب على فوائد تترجّح على فائدة السّهولة وذلك غير معلوم هنا ومع الجهل كيف يدعى ذلك على أنّا لا نسلَّم أنّ الوضع مطلقا أسهل فقد يكون غيره أسهل وأمّا الخامس فبأن كثرة الاستعمال لو سلَّم استلزامها الوضع فإنّما يسلَّم لو كان المستعمل لفظا واحدا كما في المنقولات وأمّا إذا كان ألفاظا متعدّدة فلا فإن كثرة الاستعمال حينئذ تضاف إلى نوع اللَّفظ وهي لا تصلح للوضع لمعنى مخصوص وإنّما الصّالح له كثرة الاستعمال المضافة إلى شخص اللَّفظ فتدبّر وأمّا السّادس فأوّلا بالمنع من الكثرة فإنّها غير معلومة وثانيا بأنّ غايتها الظنّ وفي حجيّته هنا كلام فإذن القول بما قاله المرتضى متعيّن مع اعتضاده بالشّهرة على الظاهر ولكن الإنصاف ما صار إليه العلامة في غاية القوّة لأنّ منع الغلبة في غاية البعد كمنع حجيّة الظنّ المستفاد منها إذا قلنا بأصالة حجيّة كلّ ظن على أنّ العادة تقضي بالوضع فيما إذا كانت القدرة والدّاعي وانتفاء الصّارف ثابتة والمناقشة في ثبوت القدرة حسنة بالنّسبة إلى ملاحظة العقل وواهية بالنّسبة إلى العادة وكذلك المناقشة في الدّاعي فإنّها حسنة بالنّظر إليه وواهية بالنّظر إليها إذ من المقطوع به أن بيان الأمور المحتاج إليها الَّتي يستمر احتياجها مدّة طويلة لا يستقيم إلَّا بضبطها وتعيين أشياء بإزائها تعرفها ولذلك احتاج أرباب كلّ صنعة وحرفة إلى وضع أمارات واصطلاحات في ألفاظ تؤدّي مقاصدهم وتبيّن مطالبهم وقد نظموها بأشياء مقررة وضوابط ممهّدة كي لا يختلّ ما راموه ويفسد ما قصدوه ولم يعوّلوا في ذلك على أمارات مختلفة وعلامات متشتّتة فإن ذلك ممّا لم ينضبط به الأمر لتفاوتها خفاء وجلاء وخفضا وعلاء ومعلوم أنّ الضّبط في مقام إعلام ما في الضّمير يكون بوضع اللَّفظ دون الإشارة والكناية والتجوّز فإنها لا تصلح لذلك أمّا الإشارة فلما أشار إليه في النهاية فقال بعد الإشارة إلى افتقار الإنسان إلى إعلام ما في ضميره وإن طرقه متعدّدة كالإشارة والحركات والرّقوم إلَّا أنّهم وجدوا الكلام في هذا الباب أنفع من غيره أمّا أوّلا فلسهولة إدخال الصّوت في الوجود لتولَّده من كيفيّة مخصوصة في إخراج النّفس الضّروري فصرفه إلى وجه ينتفع به انتفاعا كليّا أولى من سلوك طريق آخر لا يخلو عن مشقّة عظيمة وأمّا ثانيا فلأنّ الصّوت يوجد في وقت الحاجة وينتفي عند انتفائها فكان وضعه أولى إذ غيره قد لا يعدم وقت الاستغناء فيلزم بالوقوف عليه ضرر وأمّا ثالثا فلأن الكلام كما يحصل التّعبير به عن الأجسام وتوابعها كذا يحصل