السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

71

مفاتيح الأصول

التّعبير به عن المجرّدات بل وعن المعدومات بخلاف الإشارة الَّتي تختصّ بالمقارنات خاصّة على أنّه قد يقصر عنها أيضا إذ الأجسام البعيدة يتعذّر الإشارة إليها والجسم ذو الأعراض المتكثّرة يتعذّر الإشارة إلى بعضها دون بعض إذ لا أولويّة لانصراف الإشارة إلى اللَّون القائم بالجسم دون الطَّعم أو الحركة القائمين به وأمّا رابعا فلكثرة المعاني الَّتي يحتاج إلى التّعبير عنها فلو وضعنا لكلّ معنى علامة خاصّة كثرت العلامات ولم يمكن ضبطها أو تحصل الاشتراك في أكثر المدلولات وهو مخلّ بالفهم وأمّا خامسا فلأنّ الأصوات أخفّ الأشياء إذ الأفعال الاختياريّة أخفّ من غيرها والمستغني عن الآلات والأدوات أخفّ والمنتفي عنه ضرر الازدحام أخّف وما لا بقاء له مع الاستغناء عنه أخفّ والمقدور عليه في كلّ الأوقات أخفّ وما لا تعب فيه ولا مشقّة أخفّ وذلك كلَّه حاصل في الصّوت وقد خصّ اللَّه تعالى الإنسان بالمقاطع الصّوتيّة دون غيره من الحيوانات لكرمه له ومن اختلاف تركيبات المقاطع الصّوتيّة حدثت العبارات اللَّغويّة انتهى وأمّا الكناية والمجاز فلافتقارهما إلى القرينة وذلك ممّا يتفاوت فلا ينضبط به الأمر المهمّ والخطب الشّديد وممّا يشهد بصحّة ما ذكرنا أنّك إذا علمت بوجود طائفة في الهند مثلا يحتاج بعضهم إلى بعض في نظم أمورهم حصل لك القطع بأن مبنى أمورهم في إعلام ما في ضمائرهم على الألفاظ الموضوعة وإن جوّز عقلك اتّفاقهم على التّعبير بالإشارة والمجاز والكناية وبالجملة كون الدّاعي على الوضع في الأمور العظيمة متحقّقا ممّا لا ينبغي إنكاره كانتفاء الصّارف وعدم الإخلال بما هو الواجب أمّا الأوّل فلأن احتمال الصّارف في الأمور الحقيرة وجيه لكن في الأمور المتداولة والمبحوث عنها لا يبعد دعوى القطع بعدمه وأمّا الثّاني فلأن العقلاء إذا اشتدّت حاجتهم إلى أمر وتوفّرت دواعيهم عليه وكانوا قادرين عليه ولم يمنعهم مانع أتوا به قطعا وإن جاز خلافه عقلا ولذا نحن نقطع بأن كلّ من سيأتي من بعدنا ينهج منهجنا في المعاملات والمآكل والمشارب والمناكح ولا يهملون أنفسهم حتّى يدركهم الموت والجواز من البعض لا يرفع العلم بثبوت الطَّريقة للمجموع وأمر الوضع إن كان محتاجا إليه لجملة من العقلاء أو لأكثرهم كان بهذه المثابة قطعا وبالجملة المعاني الظَّاهرة الجليّة الَّتي تشتدّ الحاجة إلى معرفتها في التّخاطب ممّا تحيل العادة مع توالي الأعصار على أهل اللَّغة إهمالها وعدم تواضعهم ألفاظا تدلّ عليها وكيف يمكن دعوى ذلك منهم مع أنّا نراهم قد وضعوا الكثير من المعاني الَّتي هي كذلك بل لغيرها ممّا لا يحتاج إليه وضعوا للمعنى الواحد ألفاظا كثيرة فإنّ ذلك يدلّ على نهاية اهتمامهم في ضبط المعاني المحتاج إليها بالأوضاع كما يدلّ عليه عدم تبدل اصطلاحهم وانتقالهم عما تعارفوا عليه إلى غيره وأمّا النّقض بالأمثلة المتقدّمة فربّما يجاب عنه أولَّا بالمنع من اتّصافها بما فرض في محلّ البحث وهو شدّة الحاجة وثانيا بالمنع من عدم كون الألفاظ المزبورة الدالة عليها موضوعة بإزائها وكيف كان فظهور الوضع للمعنى المبحوث عنه ممّا لا ينبغي الرّيب فيه وإن كان دعوى القطع في ذلك كليّة محلّ مناقشة وينبغي التّنبيه على أمور الأوّل يتفرّع على المختار أنّه إذا رأينا معنى يشتدّ الحاجة إلى التّعبير عنه حكما بأنّ له لفظا موضوعا بإزائه ودالَّا عليه بالمطابقة فإذا علمنا باستعمال لفظ مخصوص فيه دون غيره حكمنا بأنّه موضوع بإزائه وكذلك إذا استعمل فيه ألفاظ متعدّدة وقطعنا بأنّ ما عدا واحد منها لم يوضع له فإنّه حينئذ يحكم بأنّ ذلك الواحد موضوع بإزائه وأمّا إذا احتمل كون كلّ واحد منها موضوعا بإزائه فيجب التوقّف في تعيين الموضوع حيث لا دليل على التعيين الثّاني اعلم أنّ شدّة الحاجة الدّاعية إلى الوضع ليست من الأمور المضبوطة المقرّرة عند الكلّ فقد يتحقّق عند قوم دون آخر وطائفة دون أخرى وفي زمان دون زمان فلا بدّ من الاقتصار في دعوى الوضع على موضع الحاجة حتى يقوم على خلافه دليل الثّالث إذا ثبت شدّة الحاجة وعلمنا باللَّفظ الموضوع بإزائه في زماننا وبأنّه يعبّر عنه في سالف الزّمان باعتبار شدّة الحاجة أيضا فإنّه يحكم حينئذ بأن هذا اللَّفظ عند من تقدّم موضوع له أيضا لأنّ الأصل عدم التّعبير بغيره فتأمل الرّابع إذا كان الحكم بالوضع للمعنى المبحوث عنه قطعيّا فلا إشكال في دعوى الاشتراك إذا استعمل فيه اللفظ الَّذي هو حقيقة في غيره وعلم بعدم استعمال غيره فيه لأن أصل عدم الاشتراك ظاهر وهو لا يقاوم القاطع وأمّا إذا كان ظنيّا فهل يؤخذ بأصالة عدم الاشتراك أو بأصالة الوضع للمعاني المحتاج إليها فيه إشكال كما فيما إذا لم يعلم بعدم استعمال غيره لتعارض أصالتي عدم الاشتراك وعدم استعمال الغير فيه ولا يبعد الأخذ بأصالة الوضع للمعاني المحتاج إليها الخامس المعنى الَّذي لا يحتاج إلى التّعبير عنه عادة أو يحتاج إليه لكن في غاية النّدرة لا يجوز الحكم بأنّ له لفظا موضوعا بإزائه كالمعنى الَّذي يشتدّ الحاجة إلى التّعبير عنه إلَّا أن يقوم دليل من الخارج عليه والحجّة فيه أمور الأوّل عدم دليل عليه من الأدلَّة الأربعة الثاني ظهور الاتّفاق عليه الثّالث أنا نعلم أنّ أنواع الرّوائح ومراتب الاشتداد لم يوضع لها ألفاظ بخصوصها فتأمل الرّابع أنّه لو وجب أن يكون لكلّ معنى لفظ لزم وضع ما لا يتناهى من الألفاظ والتالي باطل فالمقدّم مثله أمّا الملازمة