السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

69

مفاتيح الأصول

وملاحظة المعنى سبب لخطور اللَّازم أو إرادته فكان كالدّال عليه وعن الرّابع بأنّ دلالة المفاهيم دلالة التزاميّة فلا تتبادر وما يوجد في كلمات بعض الأصوليّين من إطلاق التّبادر في مقام إثبات الحجيّة فمن التّسامح وعن الخامس بأنّا إن جعلنا حمل المطلق على الفرد الشائع من حمل اللَّفظ على المجاز الشّائع فيجاب بما اجتنابه عن النّقض بالمجاز المشهور وإن جعلناه من باب الدّلالة الالتزاميّة كما هو الظاهر فيجاب بما اجتنابه عن النّقض بالدّلالة الالتزاميّة وهل عدم التبادر أمارة المجاز أو لا فيه خلاف وقد صرّح العلَّامة وغيره بالأوّل لأنّه لو لم يكن أمارة له لزم انفكاك الوضع عن التّبادر وهو باطل وأورد عليه النّقض بالمشترك فإنّ معانيه غير متبادرة مع كونها معاني حقيقيّة وباللَّفظ الموضوع لمعنى قبل اشتهار استعماله فيه لعدم تبادره مع أنّه حقيقة فيه وجوابه المنع من عدم تحقّق التّبادر فيهما لخطور المعاني بالبال بالنّسبة إلى العالم بالوضع نعم يتوقّف في تفسير المراد في الأوّل إلى قرينة والاحتياج إليها في ذلك لا يستلزم عدم خطورها وتبادرها على تقدير تفسير التّبادر بالخطور أو بالخطور بحيث يصحّ أن يراد وأمّا لو فسّر بخطوره بحيث يكون مراد لا غير فيشكل بالمشترك على القول بإجماله وأمّا على القول بظهوره في جميع معانيه فلا نسلَّم ولو سلَّم عدم تحقّق التّبادر فيهما فنقول عدم التّبادر باعتبار أن التّجوّز أكثر فيلحق موضع الشكّ بالغالب فتأمل مفتاح إذا اشتدّت الحاجة إلى التّعبير عن معنى واستدامت مدّة طويلة فهل بمجرّد ذلك يجوز الحكم بوضع لفظ بإزائه بحيث يدلّ عليه بدلالة مطابقيّة أو لا اختلف فيه القوم على قولين الأوّل أنّه يجوز الحكم بذلك وهو للعلَّامة وبه أثبت وضع اللَّفظ لمعنى العموم الثّاني أنه لا يجوز الحكم بذلك وأنّه يجب التوقّف في الحكم بثبوت وضع لفظ للمعنى المفروض كغيره من المعنى الَّذي لا يحتاج إليه أصلا وهو لعلم الهدى والشّيخ والآمدي والعضدي للقول الأوّل وجوه الأوّل أن المعنى المفروض ممّا يجب على الواضع أن يضع لفظا بإزائه وكلَّما يجب على الواضع يكون واقعا أمّا الصّغرى فلأنّ الدّاعي على الوضع موجود وهو شدّة الحاجة إلى التّعبير عنه والواضع قادر عليه والصّارف عنه مفقود فيجب عليه أن يضع وأمّا الكبرى فلأنّه لو لم يضع مع وجوبه عليه يلزم أن يكون مرتكبا للقبيح وهو باطل لا يقال يدفع هذه الحجّة بما دفعها به المرتضى وابن زهرة والغزالي فيما حكي عنه من أنّه قياس في اللَّغة لأنّا نقول هذا الإيراد مدفوع بما دفعه به العلامة في النهاية من المنع من ذلك قال بل استدلال بوجود العلَّة على وجود المعلول ولا يقال إن غاية ما ذكر تحقّق الوضع من الواضع وهذا المقدار لا ينفع لجواز أن لا يتبعه غيره فيهجر والمقصود ثبوت الوضع له عند المحتاجين إلى التعبير عنه وتداوله بينهم لأنّا نقول ما ذكر وإن كان ممكنا عقلا ولكن العادة تحيله فتأمل الثاني أن هذا المعنى ممّا يستحيل عادة أن لا يكون له لفظ موضوع بإزائه وقد أشار إليه في الأحكام فقال إنّ العموم من الأمور الظاهرة الجليّة والحاجة مستندة إلى معرفته في التخاطب وذلك ممّا تحيل العادة مع توالي الأعصار على أهل اللَّغة إهماله وعدم تواضعهم على لفظ يدلّ عليه مع أنّه لا يتفاص مع دعوى الحاجة إلى معرفته عن معرفة الواحد والاثنين وسائر الأعداد والخبر والاستخبار والترجّي والتّمني والنّداء وغير ذلك من المعاني الَّتي وضعت لها الانتفاء وبل ربّما وضعوا الكبير من المسمّيات ألفاظا مترادفة مع الاستغناء عنه انتهى وقد أشار إلى هذا في النهاية أيضا الثّالث أن وضع الألفاظ لجملة من المعاني المحتاج إليها إمّا أن لا يكون عن سبب أو يكون عن سبب والأوّل باطل لأنه ترجيح بلا مرجّح وعلى الثاني لا يخلو إمّا أن يكون السّبب هو شدّة الحاجة أو غيرهما والثّاني باطل لانتفائه فانحصر في الأوّل فإذا كان شدّة الحاجة علَّة للوضع هناك لزم أن يكون علَّة للوضع هنا وإلَّا لزم تخلَّف العلَّة عن معلوله وهو باطل الرّابع أنّا إذا علمنا بأنّه يعبّر عنه علمنا بأنه لا يعبّر عنه إلَّا بلفظ موضوع لأنّه أسهل طرق التّعبير وأظهرها والعاقل لا يعدل عن الأسهل إلَّا بعد تعدّده الخامس أنّ شدّة الحاجة واستمرارها يستدعي كثرة التّعبير عنه باللَّفظ وكثرة التّعبير عنه باللَّفظ هي كثرة الاستعمال وكثرة الاستعمال يستلزم الوضع ويشهد به كثرة المنقولات السّادس أن أكثر المعاني الَّتي مناطها ذلك قد وضع لها ألفاظ بالخصوص فيلحق المشكوك فيه بها إلحاقا له بالأعمّ الأغلب وقد يناقش في جميع الوجوه المذكورة أمّا الأوّل فأوّلا بمنع الصّغرى أما أوّلا فللمنع من وجود الدّاعي على الوضع بإزائه نعم الدّاعي على إعلام الغيرية موجود قطعا لكن لا ينحصر طريقه في الوضع لجواز حصوله بالإشارة كما في الأخرس وبالاستعمال مجازا كما في جميع المجازات المتعارفة بين أهل اللَّسان المنبئة عمّا في ضميرهم وبالكناية كما في طويل النجاد أو بذكر الحدّ كما يقال فيما إذا أريد التّعبير عن معنى لفظ الإنسان رأيت الحيوان النّاطق إلى غير ذلك وبالجملة إعلام الغير بالمسمّى أعم من إعلامه باللفظ الموضوع والحاجة إلى الأعمّ لا يستلزم الحاجة إلى الأخصّ وأمّا ثانيا فللمنع من القدرة عليه إن جعلنا الوضع من أفعال العباد كالمشي وقدرتنا عليه لا يستلزم قدرة المحتاج إلى الوضع عليه فإنّ الأشخاص متعاونون في القدرة والكاتب قادر