السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
61
مفاتيح الأصول
وانتفاء الفائدة المهمّة في غيره ومن المعلوم أن الغرض المذكور أنّما يتأتّى على تقدير حجيّة خبر الواحد وجواز التّعويل عليه في اللَّغة فيجب القول بحجّيته وإلَّا لزم أن يكون علم اللَّغة مع شرفه وتوقّف الكتاب والسنّة عليه باطلا واجتهاد العلماء في تأليفه وتدوينه ضائعا وقال الثاني بعد ذكر أقوال أهل اللَّغة في تفسير الغناء ولا خفاء في أن ما ذكرنا يفيد الظنّ الغالب المدّعى وهو كاف في هذا الباب فإنّ غاية ما يحصل في معرفة الألفاظ الشّرعيّة وأحكامها في زماننا هذا أنّما هو الظنّ وطرق العلم في الأحكام منسدة علينا إلَّا نادرا ومن ادعى خلاف ذلك فقد عدل عن الحقّ وفارق المنهاج وسقوط قوله معلوم عند من مارس الطَّرق الفقهيّة ونظر إلى مستندات الأحكام الشّرعيّة وبالجملة ليس البحث إلَّا مع من يسلم منّا هذا الأصل فإن قلت ما ذكرت من كلام اللَّغة لا يفيد ظنّا لعدم ظهور صحّة مذهبهم وعدم ثبوت عدالتهم ولا اعتماد على قول غير العدل قلت صحّة المراجعة إلى أصحاب الصّناعات البارعين في فنّهم فيما اختّص بصنائعهم ممّا اتّفق عليه العقلاء في كلّ عصر وزمان فإنّ أهل كلّ صنعة يسعون في تصحيح مصنوعاتهم وصيانتها وحفظها عن مواضع الفساد ويسدّون مجاري الخلل بحسب كدّهم وطاقتهم ومقدار معرفتهم بصنعتهم لئلَّا يسقط محلَّهم عند النّاس ويشتهرون بقلَّة الوقوف والمعرفة في أمرهم وإن كانوا فاسقين ظالمين في بعض الأحوال وهذا أمر محسوس في العادات محرّر مركوز في النّفوس والطَّبائع المختلفة نعم صحّة المراجعة إلى أصحاب الصّنعة محتاج إلى اختباره والاطَّلاع على حسن صنعته وجودة معرفته والثّقة بقوله وذلك يظاهر بالتّسامع وتصديق المشاركين وتعويل أهل الصّنعة عليه فإذا استمرّ ذلك في الأعصار المتباعدة زادت جهات القبول وتضاعفت أسباب الصّحة ولذلك نرى المشهورين من أهل اللَّغة يرجعون النّاس إليهم في تفسير اللَّغة قديما وحديثا موافقا ومخالفا في كلّ عصر وزمان يقولون في تفسير اللَّغات العربية على تفسيراتهم وتعبيراتهم ويستدلَّون بذلك ويستندون إليه في مبادي الأحكام الشّرعيّة وكتب الأصحاب مشحونة بذلك وقد أفرط بعض الأصحاب السّالفين في هذا الباب فرجّح تفسير بعض أهل اللَّغة كأبي عبيدة والهروي وأبي فارس على تفسير ابن بابويه مع كونه من عظماء الفقهاء والمحدّثين فإنّ أهل اللَّغة أقوم بهذا الشّأن وأعرف بهذه الصّنعة ومن هذا الإفراط تحطم ابن إدريس للشّيخ أبي جعفر الطَّوسي حكاية العابد عبد الرّحمن بن غياث بمكَّة فإنّه مخالف لما ذكره البلاذري أنّه وقعت باليمامة والبلاذري أبصر بهذا الشّأن فإنّه من أهل السّيرة ومن هذا الباب كان مراجعة المسلمين إلى أطبّاء اليهود والنّصارى عند حذاقتهم وسعيهم في صدور الأزمان من غير نكير وهذه القاعدة معمولة بين العامّة وأيضا فإنّهم يرجعون ويستندون في تفسير اللَّغات إلى لغويّة الخاصّة كالخليل وابن السّكيت وابن دريد وابن خالويه وغيرهم نعم إذا ظهر من بعضهم تفسير لفظ ومن بعضهم ما يخالفه بحيث لا يجتمع معه يحصل الشّك وحينئذ يحتاج إلى بعض أنواع التّرجيحات المقرّرة وعلى التعويل على الأمارات المرجحة انتهى الثالث تقرير المعصومين عليهم السلام كما أشار إليه بعض المحقّقين فقال في مقام الاحتجاج على حجية خبر اللَّغوي في جملة كلام له مع أنّ تدوين اللَّغة قد حصل في المائة الثانية من الهجرة في زمان الصادق عليه السلام والكاظم والرّضا عليهما السلام وقد شاع غاية الشّيوع في المائة الثالثة ولم ينقل عن الأئمة عليهم السلام ولا من غيرهم من التابعين إنكار ذلك بل ورد عنهم عليهم السلام ما يقتضي الحثّ على تعلمه والمعرفة بوجوه الألفاظ كما يظهر من التتبع في الأخبار الرّابع ما تمسّك به بعض محقّقي أهل العصر على المختار فقال إنّ نفس الأحكام أصل بالنسبة إلى اللَّغات فإنّها من مقدّماتها ووجوب معرفتها موقوف على وجوب معرفة الأحكام إذ لا مصلحة في وجوب معرفتها من حيث هي وقد تثبت جواز التّعويل على الظنّ في الأحكام فيستلزم جوازه في المقدّمات وإلا لزم زيادة الفرع على الأصل ولأن أمر الأحكام أسدّ وأعظم ولذا لم يعول على الظنّ فيها من عوّل عليه في اللَّغات كالمرتضى ومن تابعه فإذا جاز التّعويل عليه في الأصل فلأن يجوز في فرعه بطريق أولى لا سيما إذا كان الظنّ المعوّل عليه في الأحكام أضعف من الظنّ في اللَّغة لتطرّق الخلل فيها أزيد ممّا يتطرّق في اللَّغة انتهى وفي كلا الوجهين نظر أمّا الأول فللمنع من كليّة بطلان مزية الفرع على الأصل وإن استفيدت من كثير المحقّقين حيث علَّلوا جواز الاكتفاء في التزكية بالواحد بأنّه يقبل في الأحكام فيجب قبوله فيها وإلَّا لزم مزيّة الفرع على الأصل إذ لا دليل على ذلك من الأدلَّة الأربعة على أنّا نمنع من الملازمة فتأمل وأمّا الثاني فللمنع منه سلَّمنا ولكنه كالأول معارض بالعمومات المانعة عن العمل بالظَّن وهي أولى بالتّرجيح لقطعيّتها وفيه نظر لا يخفى الخامس ما تمسّك به بعض المحقّقين فقال لا نسلَّم حصول القطع في كلّ مسألة أصوليّة بل في مثل تلك المسائل الَّتي تتعلَّق بوضع الألفاظ واللَّغة يكفي حصول الظنّ كيف لا وأنتم تقولون إنّه إذا دلّ خبر الواحد على أنّ المراد