السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

62

مفاتيح الأصول

من هذا اللَّفظ هو ذلك المعنى يجب العمل به مع أنه لم يحصل به إلا الظَّن والعقل لا يجد تفرقة بين أن يحصل الظنّ بأنّ المراد من هذا اللَّفظ كذا وأن هذا اللَّفظ موضوع لكذا فإذا جاز العمل بالظن في الأوّل جاز في الثاني بلا ريب وأيضا لا فرق بين أن يقول صاحب القاموس مثلا إن هذا اللَّفظ لهذا المعنى في اللَّغة أو يرد خبر بأنّه موضوع له في الشّرع فكيف لا يعمل بالأوّل دون الثاني انتهى وفيه نظر ثم إنّه على المختار فهل خبر الواحد في اللَّغات كخبر الواحد في الأحكام فكلَّما هو شرط في الثاني ويترتّب عليه من الأحكام فهو شرط في الأوّل ويترتّب عليه من غير فرق فكلَّما ذكره الأصوليّون في باب خبر الواحد يجري هنا أيضا فيه إشكال والتحقيق أنّ خبر اللغوي إن أفاد الظنّ كان حجّة سواء اجتمع فيه الشّرائط المذكورة في باب خبر الواحد أم لا لعموم ما دلّ على حجيّة الظنّ في اللَّغات المعتضد ببعض الوجوه المتقدّمة أو جميعها وإن لم يفد الظَّن فليس بحجة عملا بالأصل السّليم عن المعارض والوجوه السّابقة أو تنهض لإثبات حجيّة هذا القسم كما لا يخفى مفتاح إذا اختلف النّاقلون لوضع اللَّفظ فقال بعضهم إنّه موضوع لذا قال آخر لذلك فلا يخلو إمّا أن يمكن الجمع بين النّقلين بالقول بتعدّد الوضع إمّا بالاشتراك أو بالنّقل أو لا فإن كان الأوّل فهل الواجب الجمع مما ذكر أو لا فيه إشكال ممّا ذكره الأصوليّون من أولويّة الجمع على الطَّرح ومن أصالتي عدم الاشتراك والنّقل وإن كان الثاني فإن كان بينهما تباين كلي كأن يقول أحدهما الأمر حقيقة في الوجوب والآخر أنّه حقيقة في الاستحباب أو التّهديد فلا بدّ من الرجوع إلى المرجّحات المورثة لقوة الظن ككثرة النّاقل وعدالته وكثرة تتبعه في كلام العرب وممارسته لفنون الأدب وغلبة ضبطه وقلَّة خلطه بين الحقيقة والمجاز وقرب عهده من العرب العرباء وعربيّته ونحو ذلك وإن كان بينهما تباين جزئي أمّا بالعموم والخصوص المطلق كما في لفظ الواو فإنّ كثيرا من اللَّغويين صرّحوا بأنّه للجمع المطلق وجمع آخر منهم صرحوا بأنه للجمع على وجه الترتيب وكما في لفظ الصّعيد فإنّ جمعا منهم ذكروا أنّه لمطلق وجه الأرض وآخرين أنّه لخصوص التّراب أو بالعموم والخصوص من وجه كما في لفظ الغناء فإن بعضهم ذكر أنّه الصّوت المطرب وآخر أنّه ترجيح الصّوت ففيه احتمالات أحدها التوقّف بعد فقد المرجّحات وهو أسلم ولكنّي لم أجد صائرا إليه وثانيها اختيار العام في العموم والخصوص المطلق واختيار أمر جامع بين النّقلين في العموم والخصوص من وجه فيقال الصّعيد مطلق وجه الأرض والغناء الصّوت الَّذي فيه ترجيع وطرب لأنّ مدّعى الخاصّ في الأوّل وأحد العمومين في الثاني ناف بالنّسبة إلى المدّعى الآخر وشهادة النفي غير مسموعة لأن مرجعها إلى عدم الوجدان وهو لا يدلّ على عدم الوجود وقد اختار هذا السيّد الأستاذ رحمه الله وقبله العلامة وفيه نظر للمنع من كونه التّعارض المفروض من تعارض المثبت والنّافي لأنّ كلَّا من النّاقلين يدعي شيئا خلاف ما يدعيه الآخر فإنّ القائل بأنّ الواو للجمع يدعي أنّه موضوع له بحيث لو استعمل في خلافه ولو في أفراده كان مجازا نعم يلزم منه نفي كونه للتّرتيب والقائل بأنّه للتّرتيب يدعي أنّه موضوع له بحيث لو استعمل في خلافه ولو في الجمع المطلق كان مجازا نعم يلزم منه نفي كونه للجمع فكلّ مثبت يلزمه نفي على أنه لا دليل على أنّ كلّ مثبت مقدّم على الثّاني فإن النّفي قد يكون أقوى من الإثبات أو يساويه كما لا يخفى فيه وثالثها حمل العام على الخاص في الأوّل وتقييد كلّ من العمومين بالآخر في الثّاني فيقال الصّعيد التّراب والغناء ترجيع الصّوت المطرب كما في تعارض الأخبار بناء على أنّهما من باب واحد لأنّ الأخبار كما يتضمّن حكاية قول من يعتبر قوله فكذا النّقل من أهل اللَّغة ولأنّ ما ذكر في وجه الجمع بين الأخبار من أنّ الجمع بين الدّليلين أولى من الطَّرح جار هنا فإذن يعتبر هنا جميع ما ذكروه في حمل المطلق على المقيّد وبناء العام على الخاصّ وفيه نظر لاتّفاق القوم على خلافه على الظاهر من سيرتهم مع إمكان الفرق بأنّ حمل المطلوب على المقيّد مثلا في الأخبار ليس إلَّا لأجل فرض صدور الخبر من المتعارضين عن المعصوم صلوات الله عليه وعدم جواز التّناقض في كلامه فلا بدّ من الجمع وهو أولى وجوهه وهذا غير جار في نحو المقام لعدم إمكان فرض صدور النقلين عن العرب مع جواز الخطاء على النّاقلين فإن قلت الأصل عدم الخطاء فلا بدّ من الجمع وأقرب وجوهه ما تقدّم قلت لا دليل على هذا الأصل والاستناد إليه في بعض الموارد إنّما هو لأجل أنّ الظاهر ذلك ونمنع من أن المقام مثله بل ظاهر الحال في مثله خطاء أحد النقلين وأمّا ما ذكر من أنّ الجمع بين الدّليلين أولى فهو شيء لا دليل عليه بل هو طرح لهما كما صرّح به بعض المحقّقين فتأمل مفتاح اعلم أنّه إذا أورد خبر عن المعصوم عليه السلام دالّ على كون اللَّفظ موضوعا لمعنى فهو حجّة إذا أفاد الظنّ سواء اجتمع فيه الشّرائط الَّتي ذكروها في باب حجيّة أخبار الآحاد من العدالة والإيمان أما أولا إذ لا فرق بينه وبين الأخبار عن أهل اللَّغة ولكنّي لم أجد من نصّ على ذلك ولكن قد تكرّر من الأصوليّين الاستدلال بأخبار الآحاد المرويّة عنه عليه السلام في إثبات دلالة الألفاظ وأوضاعها وربّما يظهر من بعض المحقّقين التأمل في ذلك تمسّكا بأنّ الظنّ المستفاد