السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

57

مفاتيح الأصول

تعيين المراد ويتساوى المعاني المجازيّة قربا وبعدا وهنا هل يجب الحمل على الجميع أو يتخير في الحمل على أيّ منها شاء أو يحكم بالإجمال احتمالات وحكى العلامة في النهاية عن القاضي عبد الجبّار القول بالإجمال ووجوب نصب دليل على المراد لامتناع إرادتها أجمع مع تعذر انحصارها علينا ثم قال اعترض أبو الحسين باحتمال إرادة الجميع على البدل فإنّه ممكن مع فقد دلالة التعيين ومع عدم الحصر فإنّه تعالى أوجب علينا ذبح بقرة كنّا مخيّرين في أيّة بقرة شئنا ثم قال أمّا من لا يخير إرادة المعنيين المختلفين فما زاد من اللَّفظة الواحدة فيجب عنده إقامة دليل على المراد لأنّ اللَّفظ لم يوضع على التخيير ثمّ قال وإن انحصرت وجوه المجاز وتساوت حمل اللَّفظ عليها بأسرها على البدل أما على الجميع فلعدم أولويّة البعض بالإرادة وأمّا البدلية فلعدم عموم الخطاب حتّى يحمل على الجميع هذا عند من يجوز استعمال المشترك في مفهوميه ومن منع يقول لا بدّ من البيان انتهى والمعتمد عندي الحكم بالإجمال مطلقا لأن الحمل على واحد معيّن منها والحكم بإرادته لا غير من غير دليل باطل قطعا والحكم بالتخيير باطل أيضا للقطع بأنّ المتكلَّم أراد واحدا منها بالخصوص والتخيير ينافيه والحمل على الجميع باطل أيضا لاستلزامه استعمال اللَّفظ في معان مختلفة على أن يكون كلّ منها متعلَّقا للإثبات والنفي كما في المشترك المستعمل في معانيه ولم يثبت جوازه بل منعه جماعة من المحقّقين في الحقائق وقالوا لا يجوز استعمال المشترك في معانيه ففي المجاز أولى فتأمل والإجمال وإن كان خلاف الأصل لكن يجب المصير إليه إذا قام الدّليل عليه كما في محلّ البحث وليس حمل قوله تعالى حرّمت عليكم الميتة على تحريم جميع الانتفاعات من محلّ البحث وهو حمل اللَّفظ بعد تعذّر حمله على الحقيقة على جميع المجازات بل هو محمول على واحد من المجازات ولكنّه يعمّ جميع المجازات وترجيحه باعتبار تبادره وقربه إلى الحقيقة فتدبّر ومنها أن يكون متعدّدا ولا يقوم دليل بالخصوص على تعيين المراد منها ولكن يختلف بأن يكون بعضها أقرب إلى الحقيقة من غيره وهنا لا إشكال في لزوم الحمل على ما هو الأقرب إلى الحقيقة لشهادة العرف وطريقة أهل اللَّسان بذلك مع ظهور الاتّفاق عليه ثم إنّ القرب يحصل بوجوه على ما أشار إليه السيّد الأستاذ رحمه الله فقال اعلم أنّ المقتضي لتعيين المجاز مع تعذّر الحقيقة أمور ثلاثة أحدها تبادر المعنى المجازي من اللَّفظ المصروف عن حقيقة كما في قولك رأيت أسدا في الحمّام فإن المفهوم من لفظ الأسد المقترن بقرينة الكون في الحمّام هو الرّجل الشّجاع المشابه للأسد في الجرأة ومن المعلوم أنّ هذا الفهم غير مستند إلى دلالة لفظ الأسد ولا إلى القرينة المذكورة فإنّ الكون في الحمّام إنّما يقتضي الصّرف عن إرادة المعنى الحقيقي الذي هو الحيوان المفترس ولا دلالة فيه على تعيين الرّجل الشّجاع أصلا فلو لا أنّه مدلول لفظ الأسد المصروف عن حقيقته لم يعقل فهمه في الكلام لانتفاء الحصر في المجاز وتبادر المعنى المجازي من اللفظ المقترن بالقرينة لا ينافي مجازيّته ولا يقتضي كونه حقيقة في المعنى المتبادر لأن التّبادر الَّذي هو علامة الحقيقة على ما عرفت هو فهم المعنى من نفس اللَّفظ مجرّدا عن القرينة وتبادر المجاز هو فهم المعنى بواسطة القرينة والفرق بين الأمرين ظاهر ثم إن التّبادر في المجاز قد يحصل بمجرّد القرينة الصّارفة عن الحقيقة كما في المثال المذكور وقد لا يحصل بذلك وحده بل يتوقّف على وجود الصّارف عن بعض المجازات أيضا وذلك إذا كان مساويا للمجاز المقصود من اللَّفظ كما في لفظ اليد الَّذي هو حقيقة في العضو المخصوص ومجاز في النّعمة والقدرة فإنّه إذا أريد استعمالها في النعمة وجب أن يضمّ إليها قرينة تصرف عن إرادة القدرة كأن يقال لزيد يد عند أوليائه مثلا ولم يجز الاكتفاء بالقرينة الحالية الصّارفة عن الحقيقة إذ لا يتعيّن معها إرادة المجاز المخصوص الذي هو النّعمة بل إنّما يتعيّن بمجموع القرينتين الصّارفتين عن الحقيقة والمجاز المساوي لا لأنّ الصّرف عن الأمرين يقتضي تعيين المراد لانتفاء الحصر بل لأنّ المتبادر من اللَّفظ المصروف هو ذلك وأنت إذا تتبّعت القرائن اللفظيّة وجدتها في الأكثر كذلك إذ قلّ ما يتَّفق في الكلام قرينة معيّنة للمراد صارفة عن الحقيقة وسائر المجازات المحتملة من اللَّفظ عدا المعنى المقصود بل الغالب أن قرينة المجاز إمّا صارفة عن خصوص الحقيقة أو عنها وعن شيء من المجازات وأن التّعيين أنّما يستند إلى اللَّفظ المصروف عن بعض معايبه ولولا أنّ المعنى المراد هو المتبادر من اللَّفظ بعد الصّرف لامتنعت الدّلالة اللَّفظيّة في أكثر المجازات لما عرفت من عدم الحصر وفقد ما يقتضي التعيين من جهة القرينة الثاني شهرة المجاز المعيّن وكثرة وقوعه في الكلام وإنّما كان الاشتهار سببا للتّعيين لعدم انفكاكها عن التبادر الموجب له غالبا ولأنّ ملاحظة الشّهرة ترجح إرادة المعنى المشهور إذ المظنون لحوق المشتبه بالأعمّ الأغلب فإن بني على أنّ الاشتهار بنفسه سبب للتّعيين كما يقتضيه الوجه الثّاني جاز الاعتماد عليه في تعيين المجاز مطلقا وإن علم انتفاء التّبادر من اللَّفظ المصروف عن حقيقته وإن بني على كونه سببا للتّعيين بواسطة التّبادر حيث إنّه