السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

58

مفاتيح الأصول

له على ما يقتضيه الوجه الأوّل اختصّ اعتباره بصورة الاشتباه والشكّ لاستحالة التمسّك بالعلامة مع القطع بانتفاء ذي العلامة وعدم الجدوى في التمسّك بها مع القطع بوجوده الثالث كونه أقرب المجازات إلى الحقيقة المتعذّرة وهذا إنما جعل سببا للتعيين لكونه مظنة للاشتهار المقتضي للتعيين بنفسه أو بواسطة التّبادر فإن قوة العلامة في المجاز وشدّة المناسبة فيه من أعظم دواعي الرّغبة في استعماله المفيضة إلى الغلبة والاشتهار ولذا ترى أن أشدّ المجازات مناسبة للمعنى الحقيقيّة وأقواهما علاقة معه أشهرها استعمالا في الكلام وأكثرها وقوعا ودورانا في المجازات وحيث كان القرب من الحقيقة سببا بعيدا في التعيين توقّف الحكم به على عدم العلم بانتفاء الواسطة إذ لا تأثير للأمارة البعيدة مع العلم بانتفاء القرينة كما أشرنا إليه وحينئذ فإن كانت الواسطة الَّتي هي الاشتهار سببا أصليّا للتعيين توقّف الحكم به على انتفاء العلم بعدمها خاصّة وإلا كان موقوفا على عدم العلم بانتفاء واسطة أيضا واختّص اعتبار القرب من الحقيقة بصورة الجهل بحال الاشتهار والتّبادر معا وقد يقال إنّ القرب من الحقيقة سبب أصلي لتعيين المجاز غير متوقّف على اعتبار الشّهرة وتوسّطها وذلك لأنّ قرب المعنى المجازي إلى الحقيقة بحيث لا أقرب منه يقتضي الانتقال من اللَّفظ الموضوع لما يقاربه إليه فيتعيّن إرادته منه على تقدير تعذّر الحقيقة ويتوجّه عليه منع الملازمة فإن تقارب المفهومين بحسب الحقيقة لا يقتضي امتناع انفكاكهما في التصور كما أنّ امتناع انفكاكهما بحسب التصوّر لا يقتضي تقاربهما في الحقيقة ولو سلَّم فلا يلزم منه الحكم بالإرادة إذ قد يتحقّق بين الشّيئين في التّصور ولا يجب حمل الموضوع لأحدهما على الآخر كما في الإضافات والأضداد فإن تصوّر العليّة لا ينفك عن تصوّر المعلوليّة وكذا تصوّر السّواد لا ينفك غالبا عن تصوّر البياض ومع ذلك فلا يجب حمل العليّة والسّواد على المعلوليّة والبياض عند تعذّر الحقيقة وكذا العدم والملكة كالعمى والبصر فإن تصوّر العمى لا ينفك عن تصوّر البصر ولا يجب حمله عليه عند تعذّر الحقيقة قطعا ولقائل أن يقول إن أقرب المجاز من الحقيقة يقتضي ترجيح إرادته بنفسه أي باعتبار كونه قريبا لا لكونه مظنة للاشتهار أو مقتضيا للتّبادر والانتقال إذ لا ريب في أن القرب من الحقيقة وكمال المناسبة لها ممّا يرتفع به التّساوي بين المعاني المحتملة من اللَّفظ وارتفاع المساواة لا يكون الَّا بالترجيح لكن هذا إنّما يصحّ إن قلنا بجواز الترجيح بالمناسبات العقليّة الَّتي لا توجب ظنّ الإرادة من حيث اللَّفظ وفيه كلام انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه وينبغي التّنبيه على أمور الأوّل إذا كان اللَّفظ دالَّا بالوضع على نفي الماهيّة وتعذّر حمله عليه كما في قوله عليه السلام لا صلاة إلَّا بطهور وقوله عليه السلام لا نكاح إلَّا بوليّ ونحو ذلك وجب الحمل على نفي الصّحة لأنّه أقرب المجازات إلى نفي الحقيقة كما صرّح به السيّد الأستاذ رحمه الله قال فإنّه المتبادر منها بعد الصّرف عن الظاهر الذي هو نفي الحقيقة انتهى وربّما قيل بالتّساوي بين نفي الصّحة ونفي الكمال وهو ضعيف الثّاني إذا تعذّر حمل الأمر والنّهي على ظاهرهما من الوجوب والحرمة وجب الحمل على الاستحباب والكراهة لكونهما أقرب المجازات إلى الحقيقة كما صرّح به السيّد مدعيّا تبادرهما بعد تعذّر الحقيقة وزاد فقال ولأن استعمال الأمر والنهي في النّدب والكراهة شائع كثير حتّى قيل إنّ صيغتي الأمر والنهى حقيقة فيهما أو مشتركة بينهما وبين الوجوب والتحريم فيتعيّن الحمل عليهما مع الصّارف عن الحقيقة لندرة غيرهما من المعاني المجازية بالقياس إليهما الثّالث العامّ إذا تعذّر حمله على حقيقة الَّتي هي الاستغراق وجب الحمل على الباقي لأنّه أقرب المجازات إلى المعنى الحقيقي وقد صرّح بما ذكرناه السيّد وادّعى أنّ الحمل على ذلك هو المشهور بين الأصوليّين ثم قال وقيل يبقى مجملا وقيل بل هو في الباقي حقيقة وليس بمجاز انتهى وسيأتي تمام الكلام فيه إن شاء الله تعالى الرّابع قال السيّد الأستاذ رحمه الله إذا تعذّر الحمل على الحقيقة تعيّن المجاز وهو نوعان الأوّل ما يتعيّن بتعذّر الحقيقة ويكفي فيه بمجرّد القرينة الصّارفة عنها من دون حاجة إلى خصوص ما يتعيّن به المعنى المجازي بين المجازات والثاني ما يفتقر إرادة المعنى المجازي فيه إلى قرينة التعيين ولا يكتفي فيه بمجرّد الصّارف عن الحقيقة وهذا القسم ليس من مباحث الأصول ولا من شأن الأصولي الخوض ولا التعرّض له لعدم انظباطه وتوقّفه على خصوصيّات القرائن المنتشرة المعيّنة للمراد بخلاف الأوّل فإنّ له أقساما منظبطة وأنواعا منتظمة يرجع إليها في جزئيّات الأحكام ولنذكر هنا ما يكثر في الخطابات الشرعيّة دوره ويقبح بالمتفقّه جهله فمن جملة ذلك الألفاظ المستعملة في الشّرع في غير معانيها الأصليّة على القول بنفي الحقيقة الشرعيّة فإنه إذا تعذّر حملها على تلك المعاني لوجود القرينة الصّارفة فيها تعيّن حملها على المعاني الشّرعيّة وإن كانت مجازات مثلا إذا ورد لفظ الصّلاة والزكاة والحجّ في خطابات الشارع وكان هناك