السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
51
مفاتيح الأصول
كانت معلومة بالإجمال فإن الشرع قد يكشف عن اللَّغة والعرف في مقام الاشتباه وعروض الشّك والالتباس ولو سلَّم فهذا طريق وذلك طريق آخر وتعيين الطريق ليس من دأب المحصّلين هذا ما تيسّره من الكلام في هذا المقام وهو بعد محلّ نظر وتأمّل انتهى واعلم أنّ في قولنا أكثر الألفاظ باقية على معانيها الأصلية إشارة إلى عدم ثبوت كون جميعها كذلك وقد حكى السّيد الأستاذ رحمه الله عن بعض القول بثبوت كون جميعها كذلك وقد أبطله مفتاح اعلم أن المجاز وهو استعمال اللَّفظ في غير ما وضع له واقع في اللَّغة والقرآن والسنة أمّا وقوعه في اللَّغة فهو قول الأكثر ومنهم الفاضلان والسيّد عميد الدين والحاجبي والعضدي وغيرهم بل الظاهر أنّه في هذه الأزمنة صار إجماعيّا فلا يلتفت إلى ما حكي عن أبي علي الفارسي وأبي إسحاق الأسفرايني وأصحابه وقوم من منع وقوعه وصرّح بشذوذه في العدة فقال هذا قول شاذّ لا يلتفت إليه لأنّ المعلوم من دين أهل اللَّغة أن استعمالهم لفظ الحمار في البليد والأسد في الشجاع مجاز دون الحقيقة فإن قال إنه حقيقة كان مخالفا لاستعمال أهل اللَّغة وإطلاقهم ونحتج عليه بالرّجوع إلى الكتب المصنّفة في المجاز انتهى ويعضد ما ذكر تحقّق أمارات المجاز المذكورة في كتب الأصوليّين في كثير من الاستعمالات لا يقال يبطل ما ذكرتموه من وقوع المجاز في اللغة وجوه الأوّل أنّ التجوّز مناف للحكمة فلا يقع في اللغة أمّا الأوّل فلأن اللَّفظ إذا استعمل في المعنى المجازي فإمّا مع القرينة أو بدونها فإن كان الأول لزم التطويل بلا طائل لإمكان التعبير عن ذلك المعنى بوجه أخصر وهو التعبير عنه باللفظ الموضوع له إذ ما من معنى إلَّا وبإزائه لفظ موضوع له وإن كان الثاني لزم الإغراء بالجهل وتكليف ما لا يطاق لظهور اللَّفظ في غير ما أراده بالاتّفاق وأمّا الثّاني فلأن أهل اللَّغة إنّما يرتكبون ما يوافق الحكمة لا ما يخالفها وهو واضح جدّا الثّاني أن اللفظ إذا اقترن بالقرينة كان المتبادر منه ما دلّ عليه وهو أمارة الحقيقة فكان ذلك اللفظ موضوعا لمعنيين في حالتين الثالث أن المجاز لو كان موجودا في اللغة لزم الإجمال في كلّ لفظ لترددّه عند إطلاقه بين إرادة المعنى الحقيقي والمعنى المجازي والأصل عدمه لأنا نقول الوجوه المزبورة لا تصلح لإبطال ما ذكرناه أمّا الأول فللمنع من لزوم التطويل بلا طائل مع القرينة فإن فوائد المجاز كثيرة منها عذوبة اللفظ ومنها المقابلة ومنها المجانسة ومنها المبالغة ومنها طلب التعظيم أو التحقير وإن فرض انتفاء جميع الفوائد منعنا من وقوع المجاز حينئذ ولكنه لا يستلزم المنع مطلقا الذي هو مدّعى الخصم وأمّا الثاني فللمنع من كون التبادر باعتبار القرينة من أمارات الحقيقة بل هو ليس بتبادر وأما الثالث فللمنع من الإجمال لأنّه إن كان مقرونا بالقرينة كان المراد المعنى المجازي وإلَّا كان المراد المعنى الحقيقي والإجمال منتف في الحالتين وأمّا وقوعه في القرآن فهو أيضا قول الأكثر ومنهم الفاضلان والسيّد عميد الدين والمحقّق البهائي وصاحب غاية البادي والمحقّق الجواد والعضدي والحاجبي والعمري والأصفهاني بل نقله بعض الأجلَّة عن المحقّقين وخالف فيه الظاهريّة فقالوا إن كلّ ما في القرآن محمول على ظاهره للأوّلين وجهان الأول أنه لا ريب أن القرآن أبلغ وأفصح من غيره وقد نزل على جهة الإعجاز فيجب أن يكون مشتملا على المجاز أمّا الأوّل فواضح وأمّا الثاني فلأنّ المجاز أبلغ من الحقيقة باتفاق البلغاء كما قيل والأبلغ لا بدّ أن يكون مشتملا على الأبلغ الثاني قوله تعالى جدارا يريد أن ينقضّ واسئل القرية وجاء ربّك وتجري بأعيننا والسماء بنيناها بأيد واشتعل الرأس شيبا واخفض لهما جناح الذلّ إذ ليس المراد منها المعنى الحقيقي المتبادر وإلا لزم الكفر والغلط وهما محال فالمراد المعنى المجازي إذ لا واسطة بينه وبين المعنى الحقيقي وهو المطلوب لا يقال لم لا يجوز أن يكون تلك الألفاظ موضوعة للمعاني المرادة منها لأنا نقول لو كانت موضوعة لها ولغيرها لزم إمّا الاشتراك أو النقل واللازم باطل جدا وللآخرين وجوه الأوّل أن المجاز كذب لأنّه حكم بخلاف الواقع وهو الكذب ألا ترى أنّه إذا قيل زيد حمار صحّ أن يقال إنّه ليس بحمار وهو عليه تعالى قبيح الثاني أنّه ركيك واللَّه تعالى منزه عنه الثالث أن المجاز مستلزم للإلغاز والتعمية فلو وقع في القرآن لزم أن يكون ملغزا معميا الرابع أن المجاز إنما يصار إليه عند العجز عن الحقيقة فلو وقع في القرآن لزم عجزه وهو محال الخامس أنه لو وقع في القرآن لوجب أن يطلق عليه تعالى أنه متجوز واللازم باطل اتفاقا فكذا المقدّم أمّا الملازمة فلأن من قام به فعل وجب أن يشتقّ له منه اسم الفاعل ولذا يقال لمن حصل منه الضرب إنّه ضارب وفي الجميع نظر أمّا الأول فللمنع من كون المجاز كذبا وذلك لأنّ الكذب عبارة عن أن ينسب محمولا إلى موضوع كما في زيد قائم ويكون النسبة غير واقعة سواء كان اللفظ الدالّ على ذلك بالحقيقة أو المجاز والتجوّز عبارة عن مجرّد استعمال لفظ في غير ما وضع له سواء كان هناك نسبة واقعة أو لا فهذا غير الأوّل فإذا أراد من قوله زيد أسد أنّه حيوان مفترس و